ما مغزى الاتفاق الذي جرى التوقيع عليه قبل بضعة أيام بين حكومة السودان و «الجيش الشعبي لتحرير السودان» ويقضي بوقف اطلاق النار في منطقة « جبال النوبة»؟ قبل ان اعالج الاجابة عن السؤال ابادر فأقول انه ربما يأتي وقت ما في المستقبل تندم فيه الخرطوم على هذا الاتفاق. نلاحظ اولا ان الاتفاق هو اولى «ثمرات» الوساطة الامريكية الرسمية المكلف بها مبعوث خاص للرئيس الامريكي هو السيناتور جون دانفورث، ومما يبعث على الريبة اصرار دانفورث على حصر وقف اطلاق النار في منطقة جبال النوبة، التي تقع على تخوم الحدود الشمالية الغربية لرقعة جنوب السودان، دون ان يشمل الجنوب السوداني نفسه، المسرح الرئيسي للحرب، ولكن بعثة دانفورث ظلت من الوهلة الاولى لبدايتها موضع ريبة. وبدت مؤشرات الريبة عندما استهل هذا المبعوث الامريكي الكبير اولى جولاته التي شملت الخرطوم ونيروبي (حيث مقر جون قرنق)، باعلان غريب قال فيه انه ليس لدى الولايات المتحدة مشروع سلام للسودان، لأي غرض اذن عينه البيت الأبيض مبعوثا رئاسيا خاصا الى السودان؟ لقد جاء دانفورث الى المنطقة يحمل بضعة مطالب في مقدمتها وقف اطلاق النار في منطقة جبال النوبة، والمطالب اجمالا توحي وكأنها صيغت بواسطة قرنق نفسه او بالاحرى «لوبى» اليمين المسيحي في الكونجرس الامريكي الذي يقف وراء حركة التمرد. ولكي نفهم المغزى وراء الانتقاء الامريكي لمنطقة جبال النوبة تحديدا، علينا ان نعيد الى الذهن ان مسرح الحرب في هذه المنطقة شهد خلال السنتين الاخيرتين سلسلة من الهزائم الحاسمة لقوات التمرد، وكان من نتائج الانتصارات التي حققتها القوات الحكومية الاستيلاء على مطارين صغيرين كانت تستخدمهما جمعيتان امريكيتان «للاغاثة المسيحية». وبقدر ما كانت امدادات هذه الاغاثة تشتمل على شحنات حليب مجفف وأكياس سكر وأدوية، فانها كانت تشتمل ايضا على رشاشات وقنابل يدوية وذخيرة وبعد استرداد المطارين بواسطة القوات المسلحة الحكومية اضطرت الجمعيتان المسيحيتان الامريكيتان الى ابقاء اسطول طائراتهما الصغيرة في قاعدتهما في مدينة لوشكنكو الكينية الواقعة على الحدود مع جنوب السودان. الادارة الامريكية دخلت اذن على الخط مدفوعة من اللوبي المسيحي بغرض انقاذ حركة التمرد في جبال النوبة قبل ان تتلاشى نهائيا. ولكن لماذا وافقت الحكومة السودانية على الاقتراح الامريكي القاضي باجراء عملية تفاوضية مع حركة التمرد تفضى الى وقف اطلاق النار؟ ربما خشيت الحكومة من ان تتهم امريكا بأنها ترفض السلام فتقدم بذلك ذريعة جاهزة الى الولايات المتحدة لتصعيد عدائها القائم. ان نصوص الاتفاق الذي جرى ابرامه في سويسرا تعتبر اجمالا متوازنة، لكنها مع ذلك تشتمل على بعض الثغرات فأحد البنود ينص على «حرية تنقل المدنيين والسلع بما يشمل المساعدة الانسانية» ومن الواضح انه قد يكون من المتاح للجمعيات المسيحية الامريكية استئناف شحنات السلاح الى حركة التمرد باستغلال «حرية تنقل السلع». وهناك بند ينص على نشر «بعثة مراقبة دولية» تضم بين 10 و 15 مراقبا عسكريا ومدنيا من دول يوافق عليها الطرفان، وهو ايضا نص قابل للاستغلال سيء النية. فتاريخ بعثات المراقبة الدولية في اماكن اخرى من العالم ليس نظيفا. ومما يمكن ان يقال بصورة عامة ان هذا الاتفاق يفتقر الى اي مغزى نبيل، لانه من أوله لآخره لا يشتمل على اي اشارة مباشرة او غير مباشرة الى احلال السلام الدائم او حتى الى عملية تفاوضية جديدة لغرض احلال السلام. لكن هذا ليس غريبا كما يبدو فأجندة اليمين المسيحي الامريكي التي يمثلها المبعوث الرسمي جون دانفورث، مبنية على اساس استمرار حركة التمرد في تأجيج الحرب لضمان ان يبقى شمال السودان العربي المسلم في حالة استنزاف مستديم.