التأمت في البحرين الدورة الثالثة والعشرون لندوة التنمية، وهي ندوة تضم عددا من المهتمين من ابناء الخليج يجتمعون طوعاً في بداية كل عام لتدارس بعض الموضوعات التنموية التي يعتقدون انها تحتاج الى دراسة وتفكير وتهم مستقبل هذه المنطقة من العالم.كان موضوع الندوة هذا العام «الخليج العربي والمحيط الآسيوي»، ولقد كان لافتاً للنظر الاهتمام بالمحيط الآسيوي على هذا المستوى. ففي الثلث الأخير من القرن الماضي أصبح «الهنود» يمثلون في فهم جيل كامل من ابناء الخليج مجرد عمالة رخيصة قادمة من شبه القارة الهندية، وهم يعدون بمئات الآلاف في كل مدينة خليجية، ولم يكن، حتى متخذ القرار السياسي في الخليج، ليضع في دائرة اهتمامه ـ إلا في صورة عابرة ـ هذه الكتلة البشرية بالغة الأهمية على الطرف الشرقي من الخليج، والتي يأتي منها هؤلاء العمال الذين يمثلون رقماً مهماً في ديموغرافية الخليج. لعل الاهتمام الخليجي بشبه القارة الهندية الآن نابع من منطلقين: الأول هو الوعي الجديد الذي بدأ ينتشر بين عدد كبير من المهتمين وهو وعي ينظر إلى هذه الكتلة البشرية من منظور آخر غير كونها مجرد عمالة رخيصة فحسب، بل ينظر الى الفرص التي تتيحها هذه الكتلة البشرية، والمخاطر الكامنة وراء الاستمرار في تجاهلها. ولعل المنطلق الثاني: هو التحولات الكبرى التي تحدث في العالم، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر العام الماضي، وما تلاها من تداعيات مازلنا نشهد بعضا منها يتوالى يوميا، محققا مفاجآت لم تكن تخطر لأحد على بال. العلاقة التي تربط الخليج والهند علاقة قديمة ترجع في جزء منها الى ثلاثة قرون على الأقل. وهو زمن يجعل هذا الحضور التاريخي الهندي في الخليج أقدم من قدوم الاستعمار البريطاني الرسمي في الثلث الأول من القرن التاسع عشر. ولأن بريطانيا هيمنت على منطقة الخليج لمدة تزيد على القرن ونصف القرن، في تزامن مع هيمنتها على شبه القارة الهندية، فقد أصبح تدفق العمالة والتجارة الهندية لا تعوقه موانع أو عقبات كثيرة. واستمر هذا الباب مفتوحا لأسباب اقتصادية وثقافية حتى الوقت الحالي. الثقافة الشعبية في الخليج ممتلئة بالتأثيرات الهندية والمفردات والدلالات في عادات الأكل والشرب والملابس وايقاعات الموسيقى، بل ان في الأمثال الشعبية ما يدل على ذلك، فأحد الامثال الخليجية يقول: «الهند هندك لو قل ما عندك»، أي عندما يقل ما بين يديك من مال أو زاد فتوجه الى الهند.. وكان ما يملكه أهل الخليج في الواقع قليلاً بسبب طبيعة الانتاج المجتمعي في ذلك الوقت، ومن ثم ينصحهم المثل بالتوجه الى الهند لنيل ما يريدون. كان بعض التجار الهنود يمولون صناعة الغوص، وكان سوق بومباي هو أهم الاسواق الرئيسية في العالم لتجارة اللؤلؤ الذي كان صيده يمثل الحرفة الخليجية الأولى. ولدى الجيل الحالي من أبناء الخليج فقط ضمر وتقلص التاريخ الطويل. وأصبحت الهند، بعامة، مصدرا لجلب العمالة الرخيصة فحسب. لكن الهند اليوم هي الهند الدولة التي يتجاوز عدد سكانها مليار نسمة، والتي احتفظت باسمها التاريخي. أما باكستان فقد سمت نفسها بذلك الاسم الذي يعني «أرض الأطهار» كما تقول الترجمة. وهناك بنجلاديش التي انفصلت بعد ذلك. وهذه الدول جميعاً ـ على الرغم من استقلالها ـ تحمل ثقافة وتاريخ شبه القارة الهندية. الموقف السياسي والاقتصادي من هذه الوحدات السياسية الثلاث يتراوح من جهة دول الخليج بين علاقات حميمة وعلاقات فاترة. ولكن في ربع القرن الماضي كانت علاقة الخليج بباكستان علاقة وثيقة، فهي وفرت بعض الدعم الأمني، إما عن طريق ارسال وحدات عسكرية لبعض مناطق الخليج في بعض الأوقات الحرجة، وإما عن طريق تدريب العديد من منتسبي القوات المسلحة الخليجية، أو انها فوق ذلك قدمت الدعم الفني والاداري في بعض الأوقات للأمن المحلي، إلا ان ما فاق كل ذلك هو العلاقة الوثيقة التي نشأت باتجاه صد التقدم السوفييتي في أفغانستان والوقوف أمام مشروعه التوسعي باتجاه المياه الدافئة، الأمر الذي فسر في ذلك الوقت ـ وربما كان تفسيرا واقعيا ـ بأن افغانستان هي أول الطريق السوفييتي الى الخليج. منذ ذلك الوقت أصبحت العلاقة بين الخليج وباكستان علاقة متشابكة الى درجة ان الرئيس ضياء الحق ، في وقت ما، صرح بأن باكستان هي العضو غير المعلن في مجلس التعاون الخليجي، وتدفقت على باكستان المساعدات الضخمة من الخليج، وأصبحت قضايا باكستان الدولية هي ـ تقريباً ـ قضايا تعني الخليج، وخاصة فيما يتعلق بالصراع مع الهند. وجاء يوم الحادي عشر من سبتمبر ليغير المعادلة، فقد استفادت الهند من الموجة العالمية التي قادتها الولايات المتحدة للحرب على الارهاب، لتقول ـ الهند ـ للعالم ان النشطين في كشمير والمحاربين للوجود الهندي هم في الحقيقة «ارهابيون»، ولقد زاد تلك الصورة ارباكا من جراء ذلك القصور المفجع في الفهم السياسي لبعض تنظيمات باكستانية «مقاومة» عند الهجوم على البرلمان الهندي، الذي يمثل رمز الديمقراطية الأكبر (من حيث عدد السكان) في العالم، وكانت استجابة باكستان على الاحتجاج الهندي قلقة وغير مؤثرة، مما زاد من سخونة الموقف في هذه المنطقة من العالم، القريبة من الخليج الساخن بحد ذاته. باكستان فقدت ايضا ورقة مهمة من أوراقها التفاوضية، فقد كانت افغانستان ممرا وحاجزا وذريعة، وباتفاق العديد من الأطراف، بما فيها الولايات المتحدة ومن ثم الخليج، كان الدعم لباكستان حيويا حتى الحادي عشر من سبتمبر، وكان صراعها مع الهند من ذاك المنظور قابلا للتسامح بشأنه. ولكن مع تغير اتجاه الرياح السياسية تعود باكستان لترتيب أوراقها التي لم تتبين بعد، بينما تستفيد الهند من هذا الارتباك عامدة الى مسايرة المد العالمي الواقف بحزم ضد الارهاب، لتظهر باكستان، وكأنها تعمل بوجهين في أمور الارهاب والحرب ضده. أين الخليج من كل ذلك، ومن قضية كشمير، وهي قضية حيوية بالنسبة لكلا الطرفين الهند وباكستان، حيث لم يعد ممكنا التحرير عن طريق «النزال المسلح»! فقط سقطت الورقة مع سقوط برجي التجارة العالميين في نيويورك في سبتمبر الماضي. وتعاني القضية الكشميرية ـ مثلما تعاني القضية الفلسطينية ـ من موقف متراجع أمام ضغط «صورة الارهاب» المخيفة للجميع، وتغيرت المعطيات السياسية في شبه القارة الهندية. وأصبح العرب والخليجيون بالذات مطالبين بموقف واضح من قضية كشمير يختلف عن الموقف الماضي، في الوقت الذي وضعت فيه هذه الدول معظم البيض السياسي حتى الآن في سلة باكستان! دون مد جسور حقيقية بين الهند والخليج، تؤهل للعبور عليها إلى هذه القارة التي تتقدم تقنيا وتتضخم بشريا، بينما سارعت اسرائيل ـ على العكس منّا ـ للاستفادة من هذا الموقف، فمدت جسورها العلنية بعد ان ظلت تتوارى خلف الستار. هنا في الخليج، يقدر بعض المراقبين ان عشرة ملايين من شبه القارة الهندية يعملون ويعيشون في المنطقة، ونحن نفتقد الدراسات الجادة عن حالهم، الا فيما ندر، وقد قيل انه لو أضرب العاملون الهنود في قطاع المحاسبة فقط في احدى الدول الخليجية لتوقفت أعمالها مع العالم! فما بالنا بالعدد الكبير من العاملين في قطاعات أخرى متعددة تتداخل في شرايين الاقتصاد في دول الخليج؟ الوعي بالوضع الشائك في العلاقة مع القارة الهندية بوحداتها السياسية المختلفة ومناقشته بمسئولية، هو أمر يمثل اعادة اعتبار للعقل والمنطق اللذين افتقدنا الكثير منهما حيث تعودنا كنس المشكلات العالقة والمتوقعة تحت البساط، لنفاجأ بها ـ بعد وقت ـ وقد تضخمت وتعقدت لتجرب كل ما أمامها بقسوة لا تبقي ولا تذر. والمطلوب الآن هو قراءة الواقع بكل معطياته، من دون تضخيم أو تهوين، لتبين ما لنا وما علينا في علاقتنا بشبه القارة الهندية، هذه المنطقة التي تمر بمرحلة حرجة وساخنة، وخاصة في ظل هبوب رياح ما بعد سبتمبر (العاتية)... ولعل هذه المهمة الضرورية كانت الهاجس المشترك للمجتمعين في منتدى المنامة، حيث وضعوا كثيرا من النقاط على الحروف. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت