حياك الله أبا عمار وحيا الله شعبك الصامد المغوار. لعل الذي اقوله لك اليوم هو الكلام الذي يخطر ببال اغلبية العرب ممن يحملون القدس في قلوبهم وممن عرفوك قائداً لثورة عادلة ورمزاً لقضية خالدة ومفاوضاً لملف شائك وناجيا من احداث خارقة امتزج فيها الواقع بالخيال، كخروجك المعجزة من بيروت عام 82 ونجاتك من سقوط طائرتك في صحراء ليبيا منذ عشر سنوات. ويراك نفس العرب اليوم سجيناً بمدينة رام الله تقف دبابات اسرائيل على بعد امتار من نوافذ بيتك، بل وتدك بيوت المناضلين مثل بيت مروان البرغوثي وأنت تسمع.. وتسمع اخباراً عربية تأتيك اصداؤها من التلفزيون او من الاذاعة حول زيارة عمرو موسى الى بغداد، وانفراج الازمة بين العقيد القذافي وحركة امل اللبنانية، وخطاب الرئيس محمد حسني مبارك في معرض الكتاب بالقاهرة وخطاب وزير الاعلام صفوت الشريف امام رجال الفن تكريماً لهم على نجاح مسلسل الحاج متولي.. منقطع النظير على الشاشات العربية في ليالي شهر رمضان المبارك من المحيط الى الخليج. لعلك تسمع بين طلقة وطلقة في مدفعية الدبابات اخبار التمهيد السيكولوجي والاعلامي لضرب العراق واحتلال الصومال وتهديد السودان واليمن، في زحمة ازيز طائرات الهرقل 130 التي تحمل قوافل الطالبان والعرب الافغان الى «قاعدة» جوانتانامو بجزيرة كوبا على بعد مسافة قصيرة من مكتب القائد الثوري الكوبي عدو الامبريالية منذ نصف قرن فيدال كاسترو. وانا اتصور ردود فعلك في هذا السجن لاني حالفني الحظ ان عرفتك في مرحلتك التونسية، وكنت بحكم منصبي السياسي في مطلع الثمانينيات قريباً منك ومن اخوتك في الكفاح، وعشت عن كثب احدى معجزات نجاتك من القتل المحقق يوم 1 اكتوبر 1985 حينما دكت طائرات اسرائيلية مقر قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بقرية حمام الشط التونسية في الساعة العاشرة صباحاً، واستهدفت اولى قنابلها غرفة نومك وطاولة مكتبك واستشهد فلسطينيون وتونسيون. ولعل القراء العرب لا يعرفون.. بل لعل المخابرات الاسرائيلية لا تعرف لماذا لم تكن متواجداً في حمام الشط ذلك الصباح الرهيب بينما كنت انت شخصيا مستهدفاً بالقتل. والسر هو انك كنت تناولت وجبة العشاء وسهرت في منزل صديقك وصديقي الاستاذ محمد مزالي الوزير الاول التونسي آنذاك، مع المناضل المرحوم صلاح خلف «أبو اياد» ومع المناضل حكم بلعاوي، وطال السهر الى الساعة الثالثة صباحاً، ونظراً لبعد المسافة بين ضاحية سكرة وقرية حمام الشط طلب منك حكم بلعاوي ان تقضي بقية الليلة في بيته بضاحية شمالية.. ووقعت معجزة ابتعادك عن مكان القصف، واذكر انك قلت لمحمد مزالي: «اني مدين بحياتي للسهر في بيتك». كل هذه الذكريات تتزاحم في الخاطر وانا ارى نفس الزعيم في موقف سجن رام الله، مطلوب منه اسرائيليا وامريكيا ان يلاحق مواطنيه ويسجنهم ويسلمهم الى اسرائيل وهو محكوم عليه بعدم الحركة، يشاهد تدمير المنازل واغتيال المناضلين وترويع الشعب الآمن وهو لا يتحرك، بعد تحطيم مطاره وحرق طائراته واغراق سفنه وتحطيم مينائه. ياله من قدر غريب يشبه الاسطورة الاغريقية. وانا كمواطن عربي متواضع لا حول ولا قوة لي ككل المواطنين العرب، أنتظر ان تتخذ قراراً وانت في هذا الموقف الصعب، فإما ان تعلن دولتك المستقلة وتضع العرب والعالم امام مسئولياتهم، واما ان تعود الى تونس لاعداد العدة لمرحلة تاريخية جديدة رسمتها فتنة 2 اغسطس 1990 وفتنة 11 سبتمبر 2001 بما لا يخدم لا العرب ولا فلسطين. هاتان الفتنتان اكملتا على احسن وجه طردنا من دائرة التاريخ الحديث، وقد كنا على وشك الاعتبار بنكبة الخامس من يونيو 1964 وبدأنا نلملم جراحنا ونعيد قراءة هزائمنا ونستعد لفرض حقوقنا، وقد عبرت انت يا أبا عمار هذه العواصف في لجة اليم متلاطم الامواج فاتحاً ذراعيك المتعبتين لاحتضان وتقبيل الخدود والجباه.. خدود وجباه من يستحقون ومن لا يستحقون، مدشنا يوم 13 سبتمبر 1993 رحلة المغامرة بل المخاطرة الكبرى بقبول الحلول المنقوصة وارباع الحلول وانصاف التسويات متحملا رفض رفاق السلاح وقابلا معونة رفاق السلام. واذكر ان صديقي المرحوم لطفي الخولي الذي تزعم حركة كوبنهاجن قابلك في عام 1995 ونقل عنك كلمة رائعة قلتها له وقالها هو بدوره لي: «ان غصن الزيتون اثقل حملاً من البندقية..»، ورد عليك لطفي بلطفه المعهود: «الله يعينك على حمله يا أبوعمار». كل هذه الخواطر تعج بها ذاكرتي العربية وأنا أرى وجهك المتعب وألاحظ غياب ابتسامتك الوديعة حين كنت تستقبل في «سجنك» في رام الله وزير خارجية اسبانيا.. وعلى بعد امتار منك كانت الجرافات الاسرائيلية تدمر بيوت مواطنيك.. وعلى بعد امتار منك كذلك يغضب شباب فلسطين ويردون على العنف بالعنف بما أتيح لهم من الوسائل.. ويمضي شارون يهدد ويرعد ويزبد ويشهد الرأي العام العالمي المسكين على سفينة «السلاح» بينما هو جالس على اكبر ترسانة نووية وكيماوية وتقليدية في الشرق الاوسط، ويشبهك بابن لادن ويصب اكبر مظلمة في القرن العشرين في قالب ما يسميه العالم اليوم بمكافحة الارهاب امعاناً في التزوير والتضليل. فما الذي يمكن ان اقوله لك يا أبا عمار في هذه المحنة افضل من تمنيات لطفي الخولي رحمة الله عليه: «الله يكون في عونك يا أبو عمار». ـ استاذ في قسم الاعلام بجامعة قطر ahmed 2701@hatmail.com