«لقد تحملنا العبء العسكري، ولن نتحمل عبء اعادة البناء، فنحن نؤمن بمبدأ تشاطر المهام» وبهذه العبارة أوجز توم لانتوس العضو الديمقراطي في مجلس النواب الامريكي طبيعة المهمة التي قامت بها الولايات المتحدة في أفغانستان، وهي نفسها التي قامت بها في دول أخرى عديدة من قبل وهي مهمة الهدم والتدمير، اما اعادة البناء فهي مهمة الآخرين من الحلفاء، فلابد من تقسيم المهام كما اشار بين من يهدم او من يبني. وقد ادلى بتصريحاته هذه يوم الاربعاء الماضي عشية انعقاد مؤتمر الدول المانحة لاعادة بناء افغانستان المقرر عقده في طوكيو يومي 21 و22 الجاري، اي اليوم الاثنين وغدا الثلاثاء، ومن المقرر ان يحضر المؤتمر الامين العام للأمم المتحدة كوفي عنان ووزير الخارجية الأمريكي كولن باول ووزير المالية بول أدنيل، علاوة على الشركاء او الحلفاء الاوروبيين والعرب الذين من المقرر عليهم ان يتحملوا عبء اعادة بناء ما دمره الأمريكيون. ورغم ان افغانستان قد دمرتها الحرب الأهلية التي استمرت اكثر من عشرين عاما تخللتها حرب دامت اكثر من عشر سنوات ضد السوفييت، إلا انها في النهاية كان بها الحد الادنى للحياة فجاءت الولايات المتحدة وقتلت او أبادت هذا الحد الادنى عبر مئات الاطنان من القنابل والصواريخ التي ألقتها على انحاء البلاد واستهدفت كل ما يمكن ان يؤدي الى قيام الحياة، مثل محطات المياه والكهرباء والطرق والجسور وعوامل الحياة الاخرى. وهكذا فعلت الولايات المتحدة بالعراق التي لا يجد نصف سكانها ماءا صالحا للشرب، رغم مرور احد عشر عاما على نهاية الحرب، ويحرم حتى سكان العاصمة بغداد من الكهرباء لعدة ساعات كل يوم، ويكاد جنوب العراق كله يكون محروما من الحياة الطبيعية بسبب كميات اليورانيوم المنضب التي ألقيت عليه اثناء الحرب، حتى ان رئيس وحدة اليورانيوم المنضب السابق بالجيش الامريكي دوج ردكة قال في حوار اجريته معه «ان منطقة جنوب العراق لم تعد تصلح للحياة ببسبب اشعاعات اليورانيوم المنضب». وما فعلته الولايات المتحدة بأفغانستان لم تتضح آثاره بعد، ومن المؤكد انهم استخدموا اسلحة حديثة، كما انهم اتهموا باستخدام اسلحة محرمة دوليا، وما فعلوه في افغانستان والعراق من هدم فعلوه في اليابان وفي كوريا وفي فيتنام وفي الفلبين وفي بنما ومعظم دول امريكا الجنوبية. ورغم انهم اشركوا حلفاءهم في تكاليف كثير من عمليات الهدم والتدمير التي قاموا بها، إلا أنهم عادة ما يحملونهم مسئولية اعادة البناء اذا فعلوا ذلك ونادرا ما يفعلونه لأنهم كما قال توم لانتوس يؤمنون «بمبدأ تشاطر المهام». ويبدو ان افغانستان لن تكون البلد الاخير الذي سيجهز الامريكيون على عوامل الحياة فيه، وهذا ما اكده توم لانتوس في تصريحاته التي ادلى بها في طوكيو يوم الاربعاء الماضي، حيث قال ان الولايات المتحدة «مؤهلة في شكل اكبر لشن الحملات العسكرية على بؤر الارهاب» واكد على ان المرحلة الثانية من الحرب تعني توجيه ضربات عسكرية الى مناطق اخرى من العالم، اي مزيداً من الدمار والخراب لدول وشعوب اخرى. والعجيب ان بعض الانظمة التي دمرتها الولايات المتحدة كانت من صنيعتها وآخرها حركة طالبان التي اكد السفير السعودي السابق لدى افغانستان الدكتور محمد بن عيد العتيبي في حوار نشرته صحيفة الحياة يوم السبت الماضي ان حركة طالبان لم يكن سوى صنيعة امريكا وباكستان، وان هدف الولايات المتحدة من دعم طالبان هو «ضرب الاصولية الافغانية بأصولية اكثر تطرفاً» وحينما انتهى دور طالبان دمرت امريكا افغانستان على رؤوس من فيها، والآن تبحث عمن يبني ما هدموه. الاخطر من كل ذلك ليس عملية الحرب او الهدم او الدمار الذي يقوم بها الامريكيون في تلك البلاد، ولكنه قتل فكرة الشعور بالذنب لدى من يقومون بهذه الاعمال لاسيما اذا كانت ضد مدنيين، وقد تمثل هذا في الطيار الامريكي بول تيبتس الذي القى القنبلة النووية الاولى على هيروشيما والتي قتلت مع الثانية ربع مليون انسان وما زالت اثارها باقية الى الآن.. سألته صحيفة «واشنطن بوست» عام 1995، اي بعد مرور خمسين عاما على القاء القنبلة التي سحقت مدينة كاملة بكل ما عليها من بشر وجماد، ان كان يشعر بالذنب فقال:«لا.. لم يحدث ان عانيت من اي ارق نتيجة للتفكير في هذه المسألة، ولن اعاني ابداً من مثل ذلك.. فأنا لم اقم بعمل يمكن ان اخجل منه. ـ كاتب واعلامي مصري