في عام 1999 صدر في أمريكا كتاب بعنوان (لماذا نشتري؟) وحقق نجاحا مرموقا ورواجا كبيرا في سجل أكثر الكتب مبيعا ذلك لأن مؤلفه الكاتب (باكو أندرهل) صارح قارئيه بقوله ان الأسعار صارت في ارتفاع وأن على المشترين أن يعاودوا النظر فيما يشترون. وبرغم أن المستر (أندرهل) تناول طائفة متنوعة من أصناف المشتروات إلا أنه لفت الأنظار بالذات إلى ارتفاع سعر الكتاب وبصورة متصاعدة ومطردة لدرجة استوجبت في نظر المؤلف المذكور تحذير الناشرين وبائعي الكتب بوصفهم الفئة التي تكاد تستحوذ على معظم الأرباح الطائلة وعلى حساب عباد الله الغلابة المساكين من المؤلفين والمبدعين الذين تقتصر مكاسبهم ـ ان كانت طائلة ـ على فئة النجوم وكبار المشاهير منهم، في حين لا تبوء الأغلبية العظمى سوى بقدر يقل أحيانا وقد يزيد أحيانا من الفتات. ولقد صدق الأخ (أندرهل) حين قال: إن الناس قد يعزفون يوما عن شراء الكتب إذا ما واصلت ارتفاع أسعارها، لقد أتاحت التكنولوجيا الحديثه أمام القارئين سبلا بديلة شتى قد يستغنون بها يوما عن اقتناء كتاب.. وفي مقدمة هذه السبل شبكة الإنترنت التي ترخص تكاليفها يوما من بعد يوم.. بل قد يلجأ الناس يوما إلى اقتناء كتاب واحد بمعنى نسخة وحيث يتداولها فيما بينهم مجموعة من القارئين الشغوفين بالسطور وبالصفحات وبذلك العطر الخفي الذي يتنسمه القارئ المحترف من أمثالنا فواحا ومنسابا من دفتي الكتاب. وكم شاعت حكاية السبل البديلة هذه في مجتمع القرن الحادي والعشرين: أفلام السينما قد تكون غالية بحكم تكاليف بطاقة الدخول إلى دار السينما.. لكن لماذا لا ينتظر المتفرج الشغوف بضعة أشهر فإذا بالفيلم المنشود وقد أصبح متاحا على شرائط فيديو أو على قرص (الدي في دي) المعروض على شاشة الحاسوب بل قد يكون المشاهد إياه مشتركا في إحدى شبكات العروض المنزلية المخصصة (الكابل) ومنها من يعمد إلى عرض الفيلم ولما يبرد دمه ـ كما قد نقول ـ أي بعد فترة وجيزة ولو نسبيا من طرحه للعرض الجماهيري في دور الخيالة (لم نتطرق بالطبع) إلى قراصنة الفيديو الذين يسلطون كاميراتهم الخفية المتلصصة في الظلام على شاشة السينما وهم في حالة اقتباس غير مشروعة طبعا للفيلم المسكين وبعدها تباع على أرصفة الشوارع الخلفية شرائط الفيديو التي تحوي الفيلم وقد تكون الصورة مهزوزة أحيانا والمناظر يشوبها غمام اللصوصية أحيانا ـ ولا بأس فالثمن أقل من زهيد.. وقصارى الأمر بين البائع والمشتري هو الابتعاد عن أعين البوليس! ولا تزال السوق الأمريكية للنشر تشهد ما يمكن أن نسميه حرب الأسعار أو صراع التسعير بين الناشرين والطابعين والبائعين (لاحظ مرة أخرى أننا لم نذكر رفاق طريقنا من المؤلفين فهم دوما في ذيل القائمة). ورغم أن أهل الطباعة وبارونات صناعة النشر في أمريكا يجأرون بالشكوى إزاء زيادة تكاليف التجهيز والإنتاج.. فإن المؤسسة المتخصصة في هذا المضمار ـ في أمريكا أيضا لها رأي مخالف على طول الخط! المؤسسة اسمها معهد صناعة الكتاب ويقول نائب رئيسها ستيفن سنايدر: صحيح ان أسعار الورق بالذات تشهد تقلبات دورية، إلا أن التغيرات والتحسينات التكنولوجية التي شهدتها صناعة الكتاب في الآونة الأخيرة جعلت إنتاج الكتب أقل من حيث التكاليف. ومن ثم أصبح إنتاج كتاب محترم بغلاف مدعم التجليد (هارد كفر) يكلف دولارين ليس إلا فيما يكلف إنتاج كتاب ذي تجليد شعبي دولارا واحدا علما بأن هذه التكاليف تزيد بطبيعة الحال في حالة الكتب التي تضم رسومات ملونة وما في حكمها. يرد الناشرون قائلين ان المسألة ليست مجرد حساب التكلفة بصورة رياضية أو نظرية.. إن دورة طرح الكتاب وبيعه وشرائه لا تتم في فراغ.. فالناشر يتحمل أصلا تكاليف النسخ غير المباعة ويحسبونها عادة في حدود نسبة 30 في المئة من مجموع المطبوع. والناشر يقدم الكتاب أصلا إلى دور البيع المكتبات والقرطاسيات وما إليها بسعر الجملة وهو لا يتجاوز عادة نصف سعر الغلاف. ولأن الناشرين قوم شطار في نهاية الأمر فإننا معشر القراء نطالع حججهم فإذا بنا ـ علم الله ـ نقتنع بها فنعذرهم ونتفهم موقفهم لدرجة أن تسول لنا أنفسنا أحيانا أن نقول لهم ـ أنتم وحق السماء مساكين معذورون ولا حل سوى أن تزيدونا أسعارا وتمعنوا في رفع الأثمان ولو كان في الجيب زيادة لقدمنا لكم من فرط تعاطفنا مبالغ إضافية تبرعا من جانبنا وفرط أريحية. وسقى الله أيام الصبا والطلب الخوالي التي كنا نقرأ فيها ثلاثة كتب كل أسبوعين وبانتظام كانضباط عقارب الساعة كما يقولون. ولم يكن لنا فضل هذا التحديد الثلاثي لعدد الكتب أو الثنائي لعدد الأسابيع: ببساطة كانت تقضي بذلك لائحة دار الكتب المصرية سواء في مقرها الرئيسي في ميدان باب الخلق على مشارف قاهرة المعز القديمة وبالتالي على مقربة من الأزهر الشريف أو في فروع دار الكتب التي تعاملنا معها على امتداد سنوات وقد كانت منتشرة في الأقاليم أو الأحياء ولعلها ـ فيما نرجو ـ لا تزال. والحق نقول إنه كان من العسير استعارة ثلاثة كتب مرة واحدة من مقر دار الكتب بسبب كثرة عدد المترددين.. لهذا وجدنا بغيتنا ونحن في زمن اليفاعة في فروع الدار بأحياء القاهرة.. يومها ارتكبنا عملية خداع صبيانية بحق بريئة كما قد تصفها بحق حكومة مصر المحروسة. استخرجنا بطاقة استعارة من مكتبة الحي الذي كنا نسكنه وكان اسمها مكتبة المنيرة مجاورة لمستشفى قصر العيني الشهير.. ثم عمدنا إلى واحد من أقربائنا الذي وافق على أن يخلع علينا عنوان سكنه في حي آخر فكان أن استخرجنا بطاقة استعارة أخرى من مكتبة إمبابة وكانت أيامها تقع على أطراف الجيزة ذات سكان قليلين معظمهم وافدون من خارج الجيزة ومن ثم لا يدرون أن حكومتهم كتر الله خيرها قد زودتهم بمكتبة إقليمية هي فرع مستجد من دار الكتب العتيدة التي يرجع تاريخ إنشائها إلى عهد حاكم مستنير هو الخديوي إسماعيل وإلى مثقف فلاح تعلم الهندسة في باريس وعاد إلى مصر ليفجر ما يمكن وصفه بأنه ثورة أو فلنقل نهضة في الثقافة والتربية والتعليم وكان اسمه علي باشا مبارك وكان تاريخ إنشاء دار الكتب ـ الكتبخانة الخديوية، كما كان اسمها إلى مارس من عام 1870. ويعلم الله سبحانه كيف حرص الصبي القارئ المستعير على أن يتعلم ما يمكن أن نسميه (سر الصنعة) وقتها في شئون الكتب وترتيب المكتبات: هو تصنيف ديوي الذي كان متبعا في تنظيم المكتبة ويبدأ ـ كما لعلك تعرف ـ من ناحية الصفر إلى رقم 99 حيث الموسوعات وينتهي بخانة 900 إلى 999 حيث التاريخ بمراحله المختلفة إضافة إلى مباحث الجغرافيا والاسفار: فلما كنت أدخل القاعة التي تصنف موادها بين رقمي 100 و199 حيث الفلسفة أو 200 إلى 299 حيث علم أصول العقائد والأديان أو 300 إلى 399 حيث العلوم الاجتماعية بما في ذلك الآداب الشعبية وتراث واعراف الشعوب وبصراحة نادرا ما كنت أرتاد القاعات التي تحمل أرقام 500 إلى 599 وهو تصنيف العلوم البحتة من رياضيات إلى فيزياء وكيمياء ناهيك عن تصنيف 600 إلى 699 حيث التكنولوجيا والهندسة وعلوم الطيران. ولا حتى رقمي 700 إلى 799 حيث الفنون التشكيلية والتطبيقية من رسم وتصوير ونحت دع عنك الرياضيات البدنية كم كان شغفي بعلوم اللغات والألسنية بشكل عام (400 ـ 499) وبالإبداع الأدبي في شتى أشكاله وأساليبه وخاصة فنون القصة والمسرحية والرواية عربية وعالمية مترجمة (800 ـ 899) إضافة إلى مراحل التاريخ القديم أحيانا والحديث والمعاصر في معظم الأحيان. أعرف طبعا أن من المكتبات الحديثة ما يستخدم تصنيفا آخر هو نظام الكونجرس في تصنيف المعارف والإبداعات الإنسانية وهو يتبع أحرف الهجاء وبالتحديد عشرين حرفا من أحرف الأبجدية ـ الإنجليزية بطبيعة الحال.. لكن مازال تصنيف ديوي بخاناته العشر هو حبي الأول كما قد أسميه فكم قرأت به كتبا كنت أفهم بعض ما تحتويه ولا أكاد أفقه البعض الآخر.. لكنها عززت شغفي الدائم بالكتاب.. معنى الكتاب بالدرجة الأولى. فكيف إذا كانت هذه الأشواق كلها ترتوي ـ على إمتداد سنوات طويلة ـ دون أن تكلف المرء سوى جهد الاختيار وإجراء الاستعارة ومشوار التردد، لا على مكتبة واحدة في الحي المسكون.. بل على اثنتين من مكتبات القاهرة.. والفضل في ذلك كان لقريبنا الحفي الطيب الذي خلع علينا عنوانه. وضمنا إلى أهل منزله وكان في ذلك عملية خداع بريئة تمت تحت ذقن حكومتنا السنية بطبيعة الحال.