لقد مُني العرب في الفترة الأخيرة ببعض الانتكاسات. واعتقد أن اهمها اتجاه كثير من دول العالم نحو نعت الكفاح الفلسطيني المسلح بالارهاب. وكلما ضاقت بنا السبل، ازدادت حاجتنا الى مراجعة اخطائنا وسلبياتنا. ويبدو لي ان اقصر طريق لكشف نقاط ضعفنا والعمل على رأب صدعها، تتمثل بالكتابة التي تقودنا بدورها الى الصحافة والاذاعة والتلفاز والكتب وشتى وسائل التعليم والتثقيف والتوجيه.وليس المطلوب من الكتابة اليوم معالجة هذا الفشل أو ذاك، او سد هذه الثغرة او تلك، وانما الولوج الى اعماق بنية المجتمع العربي، بغية كشف خباياها ثم خضها ولحلحتها، تمهيدا لاعادة بنائها من جديد. وهذا بالطبع، سوف يستغرق وقتا طويلا جدا، ويستلزم بذل جهود مريرة وجبارة، غير انه الطريق الوحيد نحو حل جذري دائم، وللكتابة أهميتها البالغة، بالطبع، اذ لولاها لما كانت صحافة، ولا انتشر علم، ولا ازدهرت ثقافة، ولظلت المعرفة حبيسة الجدران ومتقوقعة في شرانق النسيان.ويكفي ان نستذكر بأن الحضارة نفسها لم ترسخ اقدامها، الا بعد ان اشرقت شمس الكتابة، وبزغ فجر الطباعة التي كان من ثمرتها ميلاد الصحافة وانتشار الثقافة، واذا اردنا للكتابة أن تؤدي دورا ناجعا في ترميم المجتمع العربي وتحسين صورته، لابد من ترقيتها وتخليصها من الادران وتوجيهها نحو المصالح العليا للوطن.وللكتابة، كما هو معروف، انواع، كالكتابة النثرية والقصصية والشعرية والمسرحية. كما ان منها ايضا، الادبية والعلمية والسياسية والتربوية وغيرها. كما ان لها، كذلك درجات، فمنها الرديء الذي قد يضر، اكثر مما ينفع، ومنها المتوسط الذي يفيد بدرجة محدودة، ومنها الجيد الذي يغني الفكر ويثري الثقافة، ومنها الرائع الذي يسهم في احداث الطفرات الحضارية والقفزات الفكرية ويؤدي الى تطور المجتمعات، وهدفنا الآن تقديم تصورنا الخاص حول بعض العوامل التي يمكن ان تجعل من العمل الكتابي عملا قيما ونافعا يزود القارئ بثقافة موضوعية رفيعة، ويفتح امامه طريق العلم، وينير درب المعرفة. أولا ـ ان مضمون العمل الكتابي ينبغي ان يتسم بالسلامة و الدقة والخلو من الأخطاء والمغالطات والتزوير، بمعنى أن المعلومات والبيانات الواردة فيه يجب ان تكون صحيحة وصادقة وغير زائفة. وهذا هو الاساس الاول الذي يقوم عليه كل عمل كتابي ناجح. وانه لمن المؤسف ان بعض الكتب والمقالات، وحتى البحوث المحكمة، قد تتضمن اخطاء علمية او لغوية او اخطاء في الاسماء او التواريخ او الارقام او التقديرات المختلفة، مما يؤدي الى ترسيخ معلومات غير صحيحة في الأذهان، بكل ما ينطوي عليه ذلك من خطر علمي كبير. ومن جهة ثانية، فان من الضروري، عند ايراد المعلومات، التفريق بين الحقيقة العلمية الموثقة والثابتة، وبين الرأي الشخصي الذي قد يكون سليما او غير سليم. وبعض الكتاب يخلطون بين الحقيقة والرأي، فيعرضون اراءهم الخاصة بوصفها حقائق ثابتة، او يقدمون حقائق معروفة، وكأنها اراؤهم او استنتاجاتهم. ثانيا ـ ان العمل الكتابي يجب ان يضيف جديدا في مجال موضوعه. فالأعمال التي تكتفي بتكرار حقائق او معلومات متداولة معروفة، لا تنطوي في الحقيقة على فائدة كبيرة، لانها تعكس جهدا تجميعيا لا ابداعيا. وليس معنى الجدة ان يكون العمل برمته وفي كل حرف من حروفه مبتكرا وجديدا، بل ان الكاتب يمكن ان يستند الى بعض الحقائق والمعلومات والبيانات والاخبار الثابتة المنشورة هنا أو هناك، في هذه المجلة، او ذاك الكتاب، ثم يصهرها في بوتقة عنوان واحد، ويربطها بمعلومات اخرى، ويبين رأيه فيها ويضيف اليها من استنتاجاته وخبرته وتحصيله العلمي السابق. وهذا يختلف بالطبع عن اقتباس الحقائق والمعلومات من المراجع المختلفة وتجميعها في موضوع واحد دون ادخال التغيير والتجديد فيها.يقول توفيق الحكيم في كتابه «الادب ويداه»: «الخلق ليس معناه ان تخرج من العدم وجودا، وانما الخلق في الادب، وفي الفن، وربما في كل شيء، ان تنفخ روحا في مادة موجودة» ومن مظاهر الجدة، ايضا، طرح افكار وآراء جديدة مخالفة للمسلمات والمقولات والتقاليد الخاطئة السائدة في المجتمع. فالكاتب ينبغي الا يسلم بجميع المفاهيم التي يتبناها الناس بحكم العادة، بل عليه ان يناقش الخاطئ منها، وينقده، ويقترح البديل عنه، حتى لو اغضب ذلك الرأي العام، لأن الحوار، ونقد الواقع الراهن، وعدم القبول بما يتنافى مع العقل والمنطق، شرط اساسي للتطوير والتغيير. وقد وعى سقراط هذه الحقيقة عندما قال: «ان حياة لا تنتقد غير جديرة بأن تعاش». وهو الذي قال، ايضا، في مقام آخر: «انا كالذبابة التي تلسعكم. وهذه اللسعات ضرورية لخيركم وخير المدينة». ثالثا ـ ان لطريقة صياغة العمل الكتابي أهمية كبيرة، ولا سيما في مجال القدرة الاقناعية، فالكاتب ينبغي ان يكتب باسلوب يقنع معه القارئ بما يريد ان يقول، ومهما كانت الكتابة جميلة ومشرقة، فانها لا تحقق هدفها، اذا لم تؤثر في القارئ تأثيرا ينجم عن اقتناعه بوجهة نظر الكاتب. وكما يقول الجاحظ فان: «المعاني مطروحة في الطريق، والمعوّل على الصياغة». رابعا ـ ان الكتابة الرفيعة والمفيدة هذه التي يكون لها هدف عام وموضوعي، لا شخصي او دعائي، وهذا يوجب على الكاتب ان يقدم المعلومات والحقائق والبيانات، كما هي في الواقع دون تحريف، مستهدفا مصلحة القراء، لا أن يطرحها بالطريقة التي يزينها له هدف شخصي او مصلحة خاصة، فمثلا، اذا قام كاتب بنقد عمل ادبي لمؤلف صديق أو خصم له، فان هذا النقد ينبغي ان يرمي الى كشف الحقيقة وحدها وبيان الواقع دون التأثر بكون المؤلف صديقا او خصما. خامسا ـ التوضيح والتفسير والتعليل من ضرورات العمل الكتابي الناجح، فبعض الكتّاب، يشيرون احيانا، الى مصطلحات او اسماء او نظريات اونتائج، مفترضين ان القارئ قد اطلع عليها من قبل، بينما قد لا تكون له اية معرفة بها، مما يوقعه في الارتباك والعجز في فهم المقصود منها. ولتلافي مثل هذا الوضع يحسن بالكاتب ان يعمد دائما الى التوضيح والتفسير وازالة الغموض، آخذا في الحسبان ان القارئ لا يمكن ان يكون قد اطلع على كل شيء. سادساً ـ ان الكاتب الصادق هو الذي يكتب في الحقل الذي يهتم به ويتقنه اكثر من غيره، وذلك بقدر ما يدخل هذا الحقل ضمن اختصاصه وخبرته ومطالعاته، مما يكسب كتاباته مصداقية ودقة. والكاتب يحلق اكثر في افاق التجويد، كلما كان الموضوع الذي يطرحه مألوفا لديه. اما الذي يتصدى لحقول لا يعرف عنها الا القليل، فانه يقع في الضعف او الخطأ، او ربما الاسفاف. سابعا ـ ان كلام الكاتب يجب ان يكون ذا معنى ومغزى، لا مجرد صفوف من الكلمات و الفقرات والجمل المفرغة من المعاني، والتي لا تنطوي على أية افكار هامة، مما يحول الكتابة الى لعب بالالفاظ وتصيد للعبارات الانشائية. فاذا كانت الصياغة عنصرا هاما في الكتابة، فان الافكار والاراء والمعلومات، هي ايضا هامة، بل انها، كما يرى الكثيرون، الاكثر اهمية، وذلك خلافا لرأي الجاحظ الذي سبق ان اوردناه والذي يحل الصياغة منزله اعلى من منزلة المعاني. ثامنا ـ يستحسن ان يستشهد الكاتب، بين كل حين واخر، وحيثما كان ذلك ممكنا، بأقوال كبار المفكرين والاعلام، وحكمهم، فهذا يساعد على اغناء العمل الكتابي واضفاء الروح العلمية عليه. تاسعا: يحسن الكاتب صنعا، عندما يغمس قلمه في مداد الحياة العملية المعاصرة، مقتربا ما وسعه الاقتراب من معاناة الناس ومشكلات المجتمع وقضايا المعلم والثقافة، ومبتعدا بقدر المستطاع عن المجردات والقضايا السفسطائية. وبعد، فهذه مجرد ملاحظات وتأملات عجلى متواضعة تنبع من صميم الخبرة الصحفية والادبية. وهناك دون ريب عوامل اخرى كثيرة غير التي ذكرناها، يمكن ان تسهم في تمييز العمل الكتابي ورفعته. وهذا التميز، سواء كان في المبنى أو المعنى، هو الذي يفتح الابواب على مصراعيها أمام نجاح الكتابة في كشف النقاب عن سلبيات حياتنا العربية ـ وما أكثرها! ـ ومن ثم التأثير في عقول الجماهير و اصحاب القرار، حتى يغيروا من طرق تفكيرهم وممارساتهم ويعيدوا النظر بمفاهيمهم وافكارهم. ـ كاتب سوري