هل أضحى العالم الثالث مجموعة مستعمرات يجرى تسيير شئونها من واشنطن وفق «فرمانات» وتعليمات امريكية؟ هل دخلنا دون ان نشعر مرحلة اعادة انتاج امريكية بصورة «عصرية» للقرن التاسع عشر وعهد الاستعمار الاوروبي التقليدي؟ اليكم حكاية صغيرة ذات مغزى كبير: مكتب التحقيقات الفيدرالي الامريكي يتقدم الى حكومة البوسنة بأسماء ستة عرب مسلمين مقيمين هناك طالبا تسليمهم الى الولايات المتحدة للاشتباه بأنهم «على صلة بتنظيم «القاعدة». سلطات الامن البوسنية تتردد لأنها لا ترى في ما قدمه الامريكيون ادلة ملموسة، لكن تحت ضغط امريكي متصل على المستوى الحكومي ترفع النيابة العامة البوسنية القضية الى المحكمة العليا. قضاة المحكمة العليا ينظرون في الأمر فلا يجدون شيئا.. بالتالي الامر القضائي باطلاق سراح العرب المسلمين الستة. عند هذا الحد كان يجب ان تنتهي القصة. لكنها لم تنته. فقد تلقت الحكومة البوسنية على الفور امرا من واشنطن بتسليم هؤلاء الأشخاص الى السلطات الامريكية. وبالفعل رضخت الحكومة البوسنية.. وجرى ترحيل العرب المسلمين الستة الى معسكر الاعتقال الامريكي سيئ السمعة في خليج جوانتنامو قرب كوبا، حيث لا قانون ولا حقوق قانونية ولا شرعية من اي صنف. ان المفزع حقا هو أن ما جرى بشأن حكومة البوسنة ليس حادثة انفرادية معزولة. فقد أخذت واشنطن تتعامل تجاه رؤساء دول وحكومات العالم الثالث وكأنهم ولاة اقليميون يتبعون لحاكم عام امريكي يتخذ من البيت الابيض مقرا لاصدار فرمانات وتعليمات واجبة التنفيذ الفوري. وبينما تصدر هذه الفرمانات والتعليمات باسم «مكافحة الارهاب» فانه محظور على ولاة العالم الثالث ان يستفسروا او يتساءلوا.. كأن يسأل احدهم مثلا: ما هو الارهاب؟ فالمنتظر منهم هو مجرد التنفيذ وهم صاغرون، والا... وتتأمل قائمة اسماء دول العالم الثالث فيصعب عليك ان تجد دولة لا «تستضيف» فريقا من رجال مكتب التحقيقات الامريكي، يديرون عمليات تحقيق محلية يستجوبون فيها مواطنين بموافقة السلطة او تجاهلها، ويأمرون الاجهزة الامنية المحلية باجراء عمليات مطاردة تسفر عن اعتقالات ربما يعقبها ترحيل الى جوانتنامو. وبشأن نزلاء جوانتنامو نصب وزير الدفاع الامريكي نفسه وصيا على القانون الدولي في تصنيف المعتقلين وطريقة التعامل معهم. وهكذا حكم رونالد رامسفيلد بأنهم «مقاتلون غير شرعيين» لا «أسرى حرب» كما تنص اتفاقية جنيف الدولية. وبالطبع فان انفراد الولايات المتحدة بادارة شئون العالم الثالث كان لابد أن يؤدى الى تهميش كامل للامم المتحدة. فبينما لا يجتمع مجلس الامن لينظر في تداعيات أحداث 11 سبتمبر، تنتشر القوة الاستعمارية الامريكية في البحار والأجواء فيجرى تفتيش سفن تجارية قسرا ودون تفويض قانوني مسنود بقرار دولي، وتفرض مناطق حظر جوي على دول من المفترض ان تكون ذات سيادة وفقا لمواثيق الامم المتحدة. وعلى الصعيد المالي والاقتصادي باتت الشبكة المصرفية العالمية خاضعة لأهواء واشنطن ونزواتها. وبعد.. ماذا نتوقع في الغد؟ لنلاحظ اولا انه بينما تستهدف الهيمنة الامريكية العالم الثالث عامة، فان التركيز الأشد يقع على شعوب العالم الاسلامي. لكن الولايات المتحدة تلعب بالنار. فالاستفزاز يولد استفزازاً أشد. هكذا يقول تاريخ البشر. ومع تراكمات الاستفزازات سوف ينشأ في العالم الاسلامي جيل جديد يستنبط وسائل حديثة للنضال. وغدا سوف تحصد الولايات المتحدة ما زرعته اليوم من أحقاد ومشاعر ثأرية.