هو واحد من تلك الوجوه التي يمكن ان تقابلها في كل مكان وفي أي زمان. ورغم الانطباع غير الايجابي والأثر غير المستحب الذي قد يتركه في نفسك إلاّ أنك لا تملك أن تمحوه من ذاكرتك فربما ظل عالقاً بها حتى يأتي وجه آخر ليدفعه الى الخلف قليلاً ولكنه لا يخفيه تماماً. ينتشر عادة بين شاغلي الوظائف الحكومية، ولا يملك في الغالب القدرة على المغامرة والمخاطرة بدخول مجالات غير مضمونة الربح والمكسب. تبرز مواهبه في أوقات التحولات الكبرى، تلك التي تشهد ذهاب مسئول كبير ومجيء مسئول آخر ليحل محله. ملامحه غير محددة وإن كانت لا توحي بشيء غالباً، فتلك واحدة من الصفات التي يتميز بها وتمنحه القدرة على التلون وتقمص أدوار مختلفة حسب مقتضى الحال وما سيكون عليه المآل. في مواكب الفرح تجده ضارب دف ماهراً وراقصاً بارعاً ترتسم علامات السرور على قسمات وجهه وتجلجل ضحكته غامرة المكان ومشيعة البهجة في كل الأركان. وفي مواسم الحزن تجده مكتئباً يحمل هموم الدنيا على كتفيه، تضيق به الارض بما رحبت ويخيم الوجوم على كل عضلة في وجهه، وتسقط دموعه ساخنة تحرق وجنتيه إذا اقتضى الأمر ذلك. يملك مقدرة فائقة على معرفة اتجاهات الريح، ولذلك فهو يرفع شراع سفينته في الوقت المناسب كي تدفعها الرياح الى حيث يريد، ويطوي أشرعته إذا ما اشتدت الريح كي لا تمزقها وتلقي بها، ويستخدم مجاديفه إذا سكنت الريح كي لا تتوقف سفينته في منتصف الطريق، فهو إذن في حالة حركة مستمرة، تتفاوت قوة الدفع فيها لكنها لا تنقطع. صاحبنا قاريء جيد لخريطة الأحداث، يبزّ العرافين وقارئي الكفوف والفناجين، تنبؤاته مشهود لها بالدقة، قد يتأخر وقوعها قليلاً.. لكنها لا تخيب أبدا، دارس جيد لمواقع النجوم وعلم الفلك والابراج، يعرف متى يصعد نجم المسئول المتنفذ ومتى يهوي، يملك تلسكوباً فائق الدقة يرصد من خلاله حركة النجوم والاجرام ويعرف مداراتها، أما بلورته السحرية فهي مرآة تكشف له كل ما يدور في الدائرة التي محيطها حدود مصالحه، وهي حدود مفتوحة رسمتها مواثيق سرية صاغها لنفسه وأخفاها عن بني جنسه، تقوم على حراستها حواس غير متناهية العدد يتمتع بها وحده على خلاف البشر العاديين الذين لا يملكون أكثر من خمس قد يتعطل بعضها بفعل الزمن، وقد يتجافى بعضها عن حسن الفطن، اما هو فإن حواسه دائمة الاتقاد تزداد حدة وتقوى بمرور الايام ولا يوهي منها كرّ الليالي والاعوام. هو وجه مألوف في كل المجالس وعلى كل المنصات وفي جميع قاعات الاحتفالات، لا تفوته مناسبة، وتحسب أحياناً أن له ألف نسخة لكثرة ما تراه في أماكن عدة، فأصول اللعبة تقتضي ان يظهر في كل الساحات وأن يتواجد في كل المناسبات وأن يحجز مكاناً لصورته في كل اللقطات. إذا فُتح حوار كان المبادر إلى الادلاء برأيه ولو لم يطلب منه ذلك، ليس مهماً أن يكون على دراية كافية بالموضوع أو أن يمسك بخيط رفيع منه أو أن يكون خاوي الفكر جاهلاً به، فالمهم لديه هو أن يسمع صوته للحضور، وأن يبدو للناس مطلعاً على كل الامور، له في كل ميدان صولة، وفي كل ساحة جولة، ولا همّ له سوى أن يشعر بوجوده كل من حوله. ديدنه الامساك بالعصا من منتصفها، فلم يعرف عنه أنه صاحب رأي او موقف أو اتجاه، قد يأخذه الحماس أحياناً ليجامل كبيراً فيؤيد وجهة نظره ويدافع عن أفكاره، ولكنه لم يثبت يوماً على مبدأ أو يورط نفسه في اتخاذ موقف يحسب عليه فلا يستطيع التراجع عنه. «المصلحة» عنده هي المبدأ، وكل ما عداها وسائل للوصول اليها وجني أقصى ما يمكن جنيه من ارباح ومكاسب. ثقافته ايطالية المنشأ والجذور، تعود إلى منتصف القرن السادس عشر، أصولها راسخة في كتاب «الأمير» الذي ألفه نيكولو ميكيافيللي وأهداه الى حاكم فلورنسا بعد أن سطّر فيه مبدأه الأوسع شهرة والأكثر اتباعاً «الغاية تبرر الوسيلة». صاحبنا خبير في العلاقات العامة يحتفظ في جيبه دائماً وفي ذاكرته غالباً بكل الأرقام المهمة التي توجهه بوصلة مصالحه الى الاتصال بها حسب جدول زمني يتفق مع مكانة صاحب الرقم ومقدار أهميته بالنسبة له والدرجة التي يمثلها في سلم الارتقاء الى الغاية المرجوة من علاقته به، ولذلك فهو صاحب ذاكرة متقدة عند اللزوم لكنها سيئة إذا ما انحسرت الاضواء عن صاحب الرقم أو عاد الى الظل والصقيع، وغادر الكرسي الى زاوية من زوايا النسيان، أو حلّ عليه غضب السلطان وما عاد يمثل مصلحة يتطلع اليها صاحبنا أو حاجة تقضى له عنده. هو علة من العلل التي عانت منها المجتمعات البشرية، اجتهد العلماء والمصلحون والفلاسفة وأصحاب الرسالات في اجتثاثها من جذورها فطفقوا ينشرون مبادئهم وأفكارهم ورسالاتهم ذات القيم الانسانية العليا والقواعد الاخلاقية الراسخة كي يخلّصوا البشرية من شرورها فكان النجاح المحدود حليفهم ليذهب من ذهب منهم ويأتي من أتى ليواصل حمل الرسالة.. أما هذه الفئة فقد ظلت شكلاً من أشكال المعاناة التي لا يخلو منها مجتمع، تنجح في تنويع أقنعتها وتغيير جلودها من حين لآخر، وتستطيع بما تتمتع به من مواهب أن تخدع كل الناس بعض الوقت، وأن تخدع بعض الناس كل الوقت، ولكنها حتماً لا تستطيع ان تخدع كل الناس كل الوقت.. وتلك هي الحقيقة الوحيدة التي غابت عن فطنتها ـ ان كان لها فطنة ـ ولم تستطع إدراكها فكان فيها انكشاف أمرها وافتضاح سرها، وما أقبحه من أمر! وما أسوأه من سر! إنها كتلة من الفقاعات تطفو على سطح المجتمع، لكنها سرعان ما تذهب وتتلاشى لأنها زبد مما احتمل السيل.. والزبد ـ كما هو ثابت ـ يذهب جُفاءً أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.. هكذا ضربت السماء الامثال وهي تضع قوانين الأرض وتصوغ نواميس الكون.. وهكذا أثبتت الأيام للذين ينظرون ويتفكرون.