بات من المؤكد الآن، أن العراق والصومال يتصدران قائمة الدول المرشحة للمرحلة التالية من الحملة الأمريكية ضد ما يسمى بالارهاب الدولي. وفي حدود المعلن والمعلوم، أن المخطط الأمريكي بهذا الصدد لا يلقى أي استحسان أو تجاوب في طول العالم العربي وعرضه، يفهم هذا الموقف بالنسبة للعراق تحديدا من متن بيان القمة الخليجية الأخيرة في مسقط، الذي أدان الارهاب ودعم محاربته لكنه أبدى ضرورة احترام استقلال العراق ووحدة أراضيه وسلامته الاقليمية وعدم التدخل في شئونه الداخلية. فإذا كان الغضب من سلوكيات النظام العراقي، لم يصل بالقوى الخليجية الى حد التهاون إزاء نوايا واشنطن، فإن الأمر ذاته ينطبق من باب أولى على بقية القوى العربية. وباستثناء اسرائيل، التي تحرص على تفعيل هذه النوايا عاجلا، فإن القوى الاقليمية غير العربية، تركيا وايران بالذات، تبدو حائرة في تقدير مواقفها، وإن كانت أميل الى جانب الرؤية العربية العامة من منطلقات مختلفة. الأسئلة المنطقية هنا تتعلق بأصداء هذا الرفض أيا كان مصدره.. ترى هل من شأنه ثني واشنطن عن مخططها تجاه العراق، أو أية دولة عربية أخرى؟ هل تدخل المواقف العربية، على الصعيدين الوطني أو الجماعي، ضمن المحددات التي يحسب صانع القرار الأمريكي حسابها وهو بصدد الاعداد للضربة القادمة؟ للاجابة عن هذه الأسئلة مدخلين، أولهما نظري يمكن استقراؤه من المكاشفات الظاهرة للمسئولين الأمريكيين وطبيعة استجابتهم الشفاهية للامتعاض العربي. وثانيهما، عملي تطبيقي، تنبغي معاينته عبر القياس على السلوك الأمريكي في اطار حالات أخرى قائمة بالفعل، أوقعها وأكثر تجليا الحالة في فلسطين. مبلغ علمنا أن الادارة الأمريكية لم تصرح علانية ما ينفي أو يدحض المخاوف حول نيتها في التعرض للعراق أو غيره من البلاد العربية. لا توجد أية رسائل طمأنة أمريكية تقطع الأقاويل بهذا الشأن. وبالطبع فإنه من السذاجة والتعامي المبالغ فيهما، أن يدعي أحد عدم معرفة هذه الادارة بما يعتمل في الرحاب العربية من هواجس، رسميا وشعبيا، تجاه مخططاتهم.. ومن ثم الحاجة الى خطاب واضح يزيح مثل هذه الهواجس.. ولا تفسير لهذا الصمت سوى أن واشنطن لا تريد التعهد للعرب، ولو نظريا، بأنهم بمأمن من المراحل التالية لحملتها إياها. وليس لدينا أية مؤشرات توحي بأنها ـ أي واشنطن ـ بوارد اصدار مثل هذا التعهد أو أنها تعبأ بالمخاوف والأقاويل العربية حول خطوتها أو ضربتها المنتظرة، هذا على الصعيد النظري. عمليا، لم تتراجع واشنطن قيد أنملة عن مساندتها للعدوانية الاسرائيلية اللامحدودة بحق الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، وقد ذهبت أدراج الرياح، كل الطموحات الرامية الى أن يكون دعم العرب للحملة الأمريكية ضد (الارهاب)، شفيعا لهم في سياسة أمريكية ضاغطة ضد هذه العدوانية، السياسة الأمريكية رفضت، وما تزال، مبدأ مقايضة هذا الدعم بموقف متوازن لها على المسار الفلسطيني. وهي مضت دون وازع الى حماية اسرائيل بالفيتو في مجلس الأمن الدولي، ولم تستخدم اي اجراء رادع ضدها من تلك التي تملكها فعلا.. بل وأدرجت في قائمتها للارهاب أبرز قوى المقاومة الفلسطينية الناشطة ضد اسرائيل، وضغطت على الشركاء الأوروبيين كي يفعلوا الشئ ذاته. وكان لها ولاسرائيل ما أرادا. والحق أن عربا كثيرين تصوروا أن الاستنفار الأمريكي للثأر من (الارهاب الدولي) وما يفترضه من حاجة واشنطن للتعبئة الدولية خلفها، التي لا تستثني النظام العربي، سوف تفضي الى سياسة أمريكية أكثر توازنا في فلسطين. وذهبت بعض الظنون الى أن الحديث عن الدولة الفلسطينية التي لم تغب عن الرؤية الأمريكية، بحسب تعبيرات الرئيس بوش ووزير خارجيته باول، ينتمي الى استرضاء العرب في إطار هذا التصور.. وأنها خطوة ستتلوها خطوات.. لكن هذا الهاجس سرعان ما بددته عوارض الظفر على طالبان وتنظيم القاعدة من ناحية، وغياب ردات الفعل السلبية من معظم - إن لم نقل من كل - القوى الدولية الفاعلة منها والهامشية. لقد أظهرت هذه المعطيات لواشنطن أنها ليست بحاجة حقيقية للمؤازرة العربية في قضية الارهاب. وهذا دعاها للتساؤل عن مبرر مؤازرتهم في قضية فلسطين ولو بشيء قليل من الاعتدال والمرونة. ونحن تأسيسا على هذه المنهجية وتجربتها الواقعية نتسائل: أيعقل أن تجامل واشنطن العرب حين تقرر سياستها إزاء العراق أو أية دولة عربية مرشحة لغاراتها التالية، وهي التي أغفلتهم بشأن سياستها الفلسطينية؟.. ألا يقول لسان حال السياسات العربية بأن العراق لن يكون بأعز على العرب من فلسطين؟.. علما بأن واشنطن تدري أن العرب لا يجتمعون على بغداد مثل التفافهم حول القدس!. الشاهد أن الغضب العربي بشكليه، الباطن حاليا والذي يمكن أن يظهر مستقبلا، لا يدخل كمحدد معتبر من محددات المرحلة المزمعة في المخطط الأمريكي لتصنيف عالم ما بعد 11 سبتمبر الدامي. دولاب السياسة الأمريكية ما عاد يخفي أي جزر، كل ما فيه عِصي فقط. رد فعل العرب المائع نظما وشعوبا، تجاه المساندة الوقحة لاسرائيل، يغري واشنطن بأن تكون تقديراتها ورؤاها الذاتية وحدها فقط هي محدد الخطوات المقبلة في حربها المفتعلة، بذريعة الارهاب ضد بعض العرب، وبدون هذه الذريعة. ولذا، على هذا البعض توقع الأسوأ أمريكيا. ومع ذلك، فقد لا تتفق حسابات البيدر مع حسابات الحقل، وربما تولد عن رحم أمة العرب ما يُكره الولايات المتحدة على اعادة النظر في مقاربتها الظالمة لقضاياه ولكن الى أن يحدث هذا الاستدراك العربي، لن تلتفت واشنطن للغضب العربي (غير الفاعل). ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة