يحتفل الامريكيون خلال هذا الاسبوع في مختلف انحاء أمريكا بذكرى ميلاد الدكتور مارتن لوثر كينج أحد زعماء حقوق الانسان العظام الذي ساهم بجهوده في اعادة رسم ملامح الحياة السياسية والاجتماعية الامريكية والذي يتعين بالفعل تكريمه. ولقد كفلت الحركة التي قادها كينج حق التصويت للأمريكيين الافارقة الذين ظلوا محرومين منه حتى بعد 100 سنة من الانتهاء الرسمي لعهد العبودية في الولايات المتحدة، وظلوا خلال تلك الفترة ضحايا المعاملة العنصرية القاسية. وأدت حركة الحقوق المدنية نفسها الى نهاية واسقاط نظام الفصل العنصري، وهو نظام من القوانين والتعاملات تم بمقتضاه تقسيم امريكا الى عالمين متباينين، أحدهما أسود والآخر أبيض. ولا يدرك جيل كامل من الامريكيين ملامح الوجه الحقيقي للحياة الامريكية منذ 40 عاما مضت فحسب، ففي العديد من ارجاء البلاد كان لا يسمح للأمريكيين الافارقة بأن يشتروا أي ممتلكات أو يمارسوا أي نوع من التجارة أو يسكنوا أو يذهبوا للمدارس... الخ في المناطق المخصصة لـ «البيض فقط». والكفاح الذي قاده كينج لازالة تلك الحدود التي يفرضها الفصل العنصري في مجالات الاسكان والتوظيف والتعليم كان بالغ الصعوبة. وعلى الرغم من ان ذلك الكفاح لم يلجأ الى وسائل العنف، الا نه قوبل بالعنف، فقد تم اعتقال آلاف المعارضين وضربهم، والكثيرون لقوا حتفهم. وفي النهاية كان النصر لكينج وحركته وتغير وجه امريكا للأبد. وعلى الرغم من ذلك فإن العمل في هذا المجال لم ينته، فبينما انتهى الفصل العنصري بالشكل القانوني، لاتزال آثار الفصل العنصري وتركته تطارد أمريكا. من وقت ليس بالبعيد يعود الى عام 1954 تضمنت أشكال الفصل العنصري في مجال الممتلكات في الحي الذي كنت أقطنه في شمال غرب واشنطن ميثاقا يحظر بيع أي ممتلكات عقارية للامريكيين الافارقة. والآن وبعد مرور 37 عاما على الغاء تلك المواثيق، تظل واشنطن العاصمة الامريكية مدينة مقسمة على نحو غير عادي، فعلى الرغم من ان ثلثي سكان هذه المدينة من الامريكيين الافارقة، فإنها مقسمة الى نصفين تقريبا من الشمال الى الجنوب بواسطة منتزه روك كريك في أحد جانبي المتنزه 90% من السكان من البيض، من حين انه في الجانب الآخر لايزال 90% من السكان من السود. ومع ذلك التقسيم العضوي للسكان، تظهر الفروقات الكبيرة في الدخل والبنية التحتية والخدمات والفرص، كل تلك الامور تذكرنا بأن هناك جانباً من عمل الدكتور كينج لم ينته بعد. هذا العام سوف تتضمن الاحتفالات بتكريم كنج بنداً آخر. فلسوف يجري تذكر انه بينما ناضل مارتن لوثر كينج من اجل الحقوق المدنية والعدل فإنه لم يواجه فقط معارضة المسئولين عن تطبيق قانون الفصل العنصري ووحشيتهم، ولكنه واجه ايضاً تحديات لحرياته المدنية ايضاً، ومن المعروف للكافة كيف كان بعض المسئولين الاتحاديين الامريكيين يتجسسون على حركة الحقوق المدنية وسعوا الى احباط عمله، وتم تكثيف تلك المحاولات في اواخر الستينيات بعد ان قام بتطوير برنامج عمل دولي وهاجم الحرب في فيتنام. هكذا فإن من المهم في هذا العام ان يبذل الجهد مجداً للربط بين اشكال النضال من اجل الحقوق والحريات المدنية والجهود التي تبذل من اجل ارساء السلام والعدل الدولي بالكفاح الداخلي من اجل السلام والعدل. في أول الاحتفالات بذكرى ميلاد دكتور كينج هذا العام، عقد اجتماع حاشد كبير بمركز المؤتمرات بواشنطن وكان المعهد الامريكي العربي ومجلس العلاقات العامة الاسلامية من العناصر الاساسية في عملية التخطيط للحدث بالاشتراك مع كبرى منظمات الحريات والحقوق المدنية، مثل اتحاد الحقوق المدنية الامريكية، ومؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية وشبكة العمل القومي والمؤتمر الحزبي لاعضاء الكونجرس من السود والمجلس القومي لـ «رازا» والتجمع القانوني القومي الامريكي لآسيا والمحيط الهادي بجانب هيئات اخرى كثيرة. وكان من اهداف الملتقى الذي اطلق تحت شعار دعوة للحوار الشعبي لحماية الحريات المدنية والدفاع عن الحريات المدنية للامريكيين العرب الامريكيين المسلمين في الفترة الصعبة التي اعقبت احداث الحادي عشر من سبتمبر وفي النداء الذي بدأ به التجمع اعماله عرف المنظمون القصد السياسي من هذه الفعالية كالتالي: بينما يدنو موعد الذكرى السنوية لميلاد الدكتور مارتن لوثر كنج يقف التراث الذي تركه كعلامة تذكرنا بالحاجة الى القيام بدفاع نشط وواضح من اجل الحريات والحقوق المدنية في هذه الايام الصعبة. فمن المعتاد بشكل كبير للغاية انه اثناء الازمات القومية تقوم الحكومة باستخدام التهديد بالتحقيقات لتقمع صوت العدل الاجتماعي والحقوق المدنية والدعوة لمناهضة الحروب .. ان الحرب الضرورية والشرعية ضد الارهاب لا ينبغي ان تستعمل كما يتم توسيع ومد نطاق سلطة الحكومة المطلقة بشكل لامجال معه للتدقيق من اجل تقليص قانون الحقوق .. امريكا الآن تقف عند مفترق طرق .. يجب ان نعلو لمستوى المناسبة والحدث ونطالب بأن تحارب الحكومة الارهاب بطريقة لا تضر بالمباديء الدستورية والقيم الامريكية. ان هذا التأييد الذي لم يسبق له مثيل للحريات المدنية للامريكيين العرب والامريكيين المسلمين امر له اهميته ويتضح هذا الامر ليس فقط من خلال الاحتفال بذكرى كينج في واشنطن ولكن ايضا من خلال فعاليات مماثلة نظمت، مؤخرا في مختلف انحاء امريكا. والامر الذي له اهميته ايضا هنا يتمثل من ا نه في غمار طرح تلك القضايا الدقيقة التي تتعلق بالحريات والحقوق المدنية، اعطيت فعاليات ذكرى كينج قدرا كبيرا من التأثير والقدرة على الانجاز. بوسعي ان اتذكر فترة الثمانينيات عندما خرجنا في مسيرات تجوب شوارع واشنطن في ذكرى ميلاد الدكتور كينج لنطالب بأن يتم تخصيص يوم قومي لهذه الذكرى ليس من اجل تكريم الرجل فقط ولكن ايضا لكي يعاد الزام الامة برسالته، فقد تنبأ احد الزعماء الامريكيين الافارقة من ذوي البصيرة الثاقبة بكثير من الاسى قائلا: «ربما ننتصر ونتحقق اعتماد هذا اليوم القومي ونعيش لنرى اليوم الذي يكون فيه الدكتور كينج الذي يكرمه رجال السياسة غير مارتن لوثر الذي نعرفه. في الحقيقة فان هذا التغيير والاستقطاع من تراث دكتور كيندة كان يحدث اثناء العقد الماضي، فصورة كينج تم تشويهها وحقيقة العنصرية التي واجهها تم تجاهلها «كوضع قائم» كما اضحت المحال مع التحدي الثوري و الجذري الذي كان يمثله. ومن ثم فان الفعاليات التي تم تنظيمها هذا العام تمثل علاجا مهما لهذا التغير والتحول ان هذه الاحداث مهمة من آجل التاريخ ومهمة من اجل قضايا الحقوق والحريات المدنية عندما نتذكر سلسلة الكفاح التي واجهها كينج والتي ننظمها نحن مجددا لمواجهة التحديات لتلك الحقوق والتي تواجهنا اليوم. ـ رئيس المعهد الامريكي العربي