فجأة.. اشتعل الموقف في المدينة الجميلة. أغلقت المحلات أبوابها وخرجت المظاهرات تعلن غضبها. وكانت المناسبة: صدور قرارات جمركية مع بداية العام الجديد كانت تعني تصفية وضع المدينة الذي عاشته على مدى ربع قرن كمنطقة حرة يقصدها المصريون لشراء البضائع المستوردة والمعفاة من الجمارك، فإذا لم يذهبوا إليها جاءت البضائع إليهم بطريقة أو بأخرى. قبل هذه المرحلة، كانت بورسعيد هي المدينة التي احتلت قلب كل العرب، والأنشودة التي تغنى بها طلاب الحرية في العالم كله بعد أن كتبت بالدم تاريخها المجيد إنها المدينة التي نشأت مع حفر قناة السويس وحملت إسم الوالي الذي منح للنصاب الفرنسي ديليسبس إمتيازها، فكانت النتيجة أن القناة التي كان يفترض أن تكون باب مصر إلى نهضة اقتصادية ورواج مالي أصبحت عبئا عليها. ضاعت دماء عشرات الألوف من المصريين الذين حفروا القناة هباء وذهبت القناة إلى الأجانب يمتصون خيراتها وقبعت المدن التي تقع عليها (بورسعيد والإسماعيلية والسويس) تحت إحتلال الجيش البريطاني حيث كانت توجد أكبر قاعدة عسكرية في المنطقة، وذهبت عائدات القناة من عبور السفن إلى الشركة الأجنبية التي كانت دولة داخل الدولة بينما لم تحصل مصر إلا على أقل القليل. مع بداية النصف الثاني من القرن الماضي اشتعل الموقف في بورسعيد وفي منطقة القناة حيث كان يرابط ثمانون ألف عسكري بريطاني. كانت كل المفاوضات حول استكمال تحرير مصر من الاحتلال قد فشلت، اضطرت حكومة الوفد إلى إعلان الغاء المعاهدة التي كانت تنظم العلاقات بين مصر وبريطانيا وتعطي المشروعية للوجود البريطاني على أرض مصر وإنطلق الكفاح الشعبي ضد قوات الاحتلال، واشتعلت مدن القناة بالمعارك، واشتعلت مصر كلها بالغضب ثم كانت مؤامرة حرق القاهرة، وتوقف الكفاح المسلح وعاشت مصر شهورا صعبة حتى انفجرت ثورة يوليو بقيادة كانت تساهم في معارك القناة التي توقفت، وكان لابد أن يعود الكفاح المسلح حتى اضطرت بريطانيا للتسليم وتم توقيع إتفاقية الجلاء عام 54 وبعدها بعامين كان عبد الناصر في بورسعيد يرفع راية مصر على آخر معسكر للقوات البريطانية تم الجلاء عنه. ستالينجراد العرب لم تمض إلا شهور قليلة حتى كانت بورسعيد تعانق الفرصة الكبرى بقنبلة عبد الناصر التي فجرها حين أعلن تأميم شركة القناة لتندلع الحرب وتواجه مصر العدوان الثلاثي، وتتحول المدينة الجميلة بورسعيد إلى ستالينجراد العرب حين صمدت للعدوان ومنعت القوات الفرنسية والبريطانية من التقدم لاسقاط عبد الناصر كما كان مخططا ويثور العالم العربي كله ويستيقظ الرأي العام في كل أنحاء العالم ويعلن عبد الناصر من على منبر الأزهر الشريف (سنقاتل.. ولن نسلم) ويندحر العدوان وتنسحب القوات المعتدية، ويسجل التاريخ أن على أقدام هذه المدينة الجميلة كانت نهاية الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية، ومن إنتصارها كان إنطلاق رياح التحرير لتفتح الأبواب المغلقة ليس فقط في العالم العربي من الخليج إلى المحيط، وإنما أيضا في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وتتحول المدينة الصغيرة إلى أغنية على شفاه الملايين من طلاب الحرية في العالم كله. ولم يكن ذلك بغير ثمن. فقد دفعت المدينة الجميلة ضريبة الدم دفاعا عن الوطن راضية ثم تحملت عبء حصار اقتصادي شنه الأعداء على مصر وكان نصيب المدينة منه وافرا، فالمدينة التي تعيش على نشاط الميناء الذي كان الأهم في المنطقة واجهت مخططا يستهدف نقل النشاط إلى موانئ أخرى، ثم جاءت ظروف تحمل المصريين لأعباء تشغيل القناة واضطرار الإدارة الجديدة إلى نظام جديد لعبور السفن لقناة السويس في قوافل توفيرا للجهد خاصة بعد إنسحاب المرشدين الأجانب. وهكذا تم حرمان المدينة من الموارد التي كانت تجنيها من رسو سفن الركاب عندها ونزولهم للسياحة فيها. وتحملت المدينة كل الظروف الصعبة بشجاعة. وكانت الدولة تقدر ذلك وتعمل على مساعدتها في حدود الإمكانيات المتاحة وكان عبد الناصر حريصا على الذهاب إليها كل عام للإحتفال بعيد إنتصارها في 23 ديسمبر، وكانت زيارته مناسبة لحل المشاكل التي تتراكم وتقديم العون الممكن لتخفيف آثار الأزمة الاقتصادية التي تعيشها المدينة الباسلة. وكان هذا هو الوصف الذي التصق ببورسعيد منذ صمودها العظيم في وجه العدوان. فكرة المدينة الحرة وفي هذه الظروف ولدت فكرة تحويل المدينة إلى مدينة حرة أو بالأصح إنشاء منطقة حرة في جزء منها وإهتمت الدولة بالفكرة وأوكلت إلى مكاتب استشارية عالمية دراسة المشروع وتلقت الدولة نتيجة الدراسات التي أكدت أن كل الظروف مهيأة لنجاحه.. فالموقع العبقري الذي تحتله المدينة على رأس القناة والبحر المتوسط والذي تربط فيه بين أفريقيا وآسيا وأوروبا يوفر لها ميزات هائلة لتكون مركزا لتجارة (الترانزيت) في المنطقة، ولتكون أيضا موقعا مناسبا لصناعات تساهم فيها الشركات العالمية وتوفر للمنطقة احتياجاتها من السلع الصناعية الأساسية التي يمكن تصديرها للأسواق العربية والأفريقية والمتوسطية. كان المشروع جاهزا، لكن الظروف التي خاضتها مصر في هذه السنوات الصعبة لم تمكن من وضعه موضع التطبيق وظلت بورسعيد تنتظر، وظل المشروع قيد البحث حتى كانت كارثة 67 ومرة أخرى تجد المدينة نفسها في قلب المعركة بعد أن أصبحت جزءا من الجبهة، وتم تهجير سكانها أثناء حرب الاستنزاف، وتحولت المدينة إلى مدينة للأشباح لا يسمع فيها إلا أصوات المدافع وأزير الطائرات، ولا يعيش فيها إلا المقاتلين ومن يتولون الخدمات الأساسية. وظل هذا الوضع حتى كان الميلاد الجديد للأمة مع نصر أكتوبر. كانت المدينة الجميلة قد تحولت إلى أطلال كغيرها من مدن القناة.. وبدأت بعد الحرب - الجهود - لتعمير المدن المهدمة وعودة المهجرين إليها. وهنا تعود فكرة المدينة الحرة ولظروف سياسية وافق السادات عليها، وعادت بيوت الخبرة لدراسة المشروع لكن السادات كان متعجلا لهذه الخطوة، ويذهب عثمان أحمد عثمان للمدينة ويعود بالحل السعيد: لا تنتظر الدراسات ولا تبحث عن الحلول العلمية فقط ضع كشكا في أول المدينة وكشكا في آخرها،وأعلنها مدينة حرة.. وستنطلق بعد ذلك وحدها.وقد كان.. وتم إعلان المدينة منطقة حرة.. وخلال أيام كانت البضائع تتدفق من الخارج عليها، وكان عشرات الألوف من المصريين يترددون عليها يوميا، وكانت المدينة كلها تتحول إلى سوق كبير للبضائع الرخيصة التي تجد طريقها لكل أنحاء مصر التي كانت تعاني نقصا شديدا في البضائع الاستهلاكية بعد سنوات من تجنيد كل الموارد لإنشاء الصناعات الحيوية ثم للوفاء بالتزامات تحرير الأرض بعد كارثة 67. وشهدت المدينة رواجا تجاريا كبيرا، وتسابق الجميع إلى الربح السهل. الورش الصغيرة حولت نشاطها إلى التجارة، والموظفون حصلوا على إجازات من أعمالهم ليشاركوا في سوق التجارة الذي شمل البلدة بكاملها، وتلاميذ المدارس هجروا مدارسهم ليصبحوا صبية في الحي التجاري يكسب كل منهم في اليوم ما يكسبه المدرس في شهر إذ بقي في وظيفته. وفي هذا المناخ اختلت كل الموازين، ولم يعد للعلم قيمة واصبحت الفهلوة هي القيمة السائدة، وتحول مهربون جهلة إلى مليونيرات، وأنزوى أبطال معارك التحرير يجترون ذكرياتهم وأقتضي الأمر سنوات حتى يتذكر الجميع أن حلم إقامة المدينة الحرة قد تعرض لعملية سرقة وأن مشروع المدينة الحرة الذي كان يفترض فيه أن يكون إضافة للاقتصاد القومي واستغلالا لعبقرية موقع بورسعيد وجذبا لاستثمارات أجنبية هائلة تفيد وتستفيد.. كل ذلك قد تم مسخه ليتحول إلى إستيراد لنفايات الصناعة الأجنبية ليتم بيعها أو تهريبها للأسواق المصرية لضرب الصناعة الوطنية، ثم تطور الأمر لإستيراد الملابس المستعملة بكل ما تمثله من مخاطر اقتصادية وصحية، وبكل ما تضيفه من أرباح للمحظوظين الذين وزعت عليهم حصص الاستيراد، ولعصابات التهريب التي توحشت بينما أهل المدينة يبحثون عن طريقة للخلاص وعلى سبيل للعيش بكرامة تعلموها من سنوات طويلة من النضال الدامي من أجل الوطن.. لكن الأمور لم تكن هكذا على الدوام، فقد شهدت المدينة تراجعا في الإقبال على زيارات التسوق لها عاما بعد عام لأسباب كثيرة منها أن سياسات الإنفتاح الاقتصادي سمحت بدخول كل شئ وأصبح الاستيراد في مصر على الكيف ووقفت أجهزة الدولة تتفرج على السفه والتبذير والإفساد الذي كاد أن يكون متعمدا لاقتصاد يحتاج لكل دولار لكي ينهض بينما البعض يستورد طعام الكلاب وأحذية للقطط وغير ذلك من السلع الاستفزازية التي أوصلت فاتورة الاستيراد إلى 17 مليار دولار في حين لم يتعد التصدير أربعة مليارات! ومع فتح أبواب الاستيراد على البحري تراجعت أهمية بورسعيد كمنطقة حرة تستقطب الزائرين. وتركز دورها - بعد ذلك - في استيراد الملابس وبعض السلع التي يفرض عليها جمارك عالية وتهريب معظمها إلى الداخل. وطوال السنوات الأخيرة كانت الأصوات تعلو لعمل شئ ينقذ المدينة التي تعرضت للكساد، ولكن الحلول لم تكن سهلة،والجدية لم تكن متوفرة، والذين ربحوا تحولوا إلى مليونيرات في ظل التجربة هربوا بملايينهم منها، ومحاولات التصنيع لم تنجح لأن اصحاب الأموال كانوا يدركون أن إتفاقيات الجات لن تترك للمدينة ما تمتاز به.. وهكذا ظل الوضع بين شد وجذب حتى جاءت القرارات الأخيرة مع بداية العام والتي كانت تعني الحكم بإنهاء التجربة التي دامت ربع قرن، وما تبعها من اضطرابات شديدة تم احتواؤها في النهاية بإتفاق على إعطاء التجربة مهلة أخيرة لخمس سنوات ينتاقض فيها المسموح بإستيراده عاما بعد عام بنسب مختلفة، واصبح السؤال: كيف تعبر المدينة هذه المرحلة ؟ وهل ستنجح في إعداد نفسها للمستقبل؟ مشاريع وجهود مؤجلة قبل شهور دعاني محافظ المدينة ضمن نخبة من المثقفين والكتاب والفنانين ورجال الأعمال من ابناء المدينة التي أضطرتهم ظروف العمل للعيش خارجها. وعلى مدى يومين دار الحوار حول مستقبل المدينة التي راعنا ما تعانيه من كساد. وصحبنا المحافظ في جولة شهدنا فيها بعض المشروعات التي تم إنجازها لإعداد المدينة للمرحلة الصعبة القادمة، وكان الأهم - في رأيي- من هذه المشروعات أن وراءها رؤية تعتمد على العلم وتعرف أن المهمة ليست سهلة وتدرك - في الوقت نفسه- أن المدينة تستطيع عبور المرحلة الصعبة وتملك المقومات اللازمة لذلك. لقد ضاعت من المدينة الفرصة التي كان يمكن لقرار تحويلها إلى مدينة حرة أن يوفرها إذا تم ذلك بطريقة علمية، ولا ينبغي أن يتكرر ذلك وأمام المدينة فرصة أخرى تستعيد فيها نفسها وتعيد البناء على أسس سليمة فهناك مشروع جديد تم تنفيذه لبناء ميناء جديد شرق المدينة يفترض فيه أن يكون ميناء عالميا لاستقبال الحاويات الضخمة،وأمام شواطئ بورسعيد أكبر حقول الغاز المصرية وفيها 70% من احتياطي الغاز في مصر، وهناك مصنعان تحت الإنشاء واحد للمواسير التي سيتم استخدامها لنقل الغاز إلى البلاد العربية وتركيا، وآخر لتسييل الغاز ومع توافر أراض زراعية جديدة تبلغ 140 ألف فدان، فإن المستقبل يمكن أن يكون واعدا بمدينة تستعيد كبرياءها وتؤكد دورها في تاريخ مصر وتعود لتتذكر سنوات النضال الذي كان، والتضحيات التي قدمتها، والآمال التي ضاعت من بين يديها، والمصاعب التي ستواجهها. وستعبر المدينة أزمتها لأنها تعودت طوال تاريخا على مواجهة الأزمات. ولكن ستبقى أمامها مهمة شاقة وهي كيف تعالج جراح الروح التي اصابتها من سنوات سادت فيها قيم الفهلوة والضحالة والكسب السريع، ونمت فيها طبقة من المهربين والبلطجية، وأندحرت فيها قيم العلم والعمل أمام معايير سوق متوحش لا يرحم ولا ينتظر. في الحوار مع المثقفين كان هناك وعي تام بضرورة أن تستعيد المدينة روحها، ومع ذلك فلم يكن هناك بد من صدام مع أصوات قليلة ناشذة فاجأتني بترديد فكرة يجري الترويج لها منذ سنوات بإعادة تمثال للأفاق ديلسبس كان يحتل مدخل قناة السويس من ناحية البحر المتوسط وقامت الجماهير بتحطيمة أثناء عدوان 56 إنتقاما من الغزو الذي ذكرهم بأن صاحب التمثال الذي سرق قناة السويس من مصر هو الذي يسر لقوات الاحتلال قبل سبعين عاما أن تعبر من قناة السويس لتفاجئ جيوش الثورة العرابية وتهزمها، وكان تحطيم التمثال إعلانا بأن القناة عادت لأبنائها وتأكيدا بأن درس خديعة جيوش الغزو للمصريين لن تتكرر. التمثال الذي تم تحطيمه بقيت قاعدته خالية طوال هذه السنوات الظروف السياسية منعت أن يحتلها تمثال بعد لعبد الناصر كما اقترح الكثيرون، أو تمثال للفلاح المصري الذي حفرها أو المقاتل العربي الذي استعادها وجاء الزمن الردئ ليقترح البعض قبل سنوات إعادة تمثال ديلسبس لمكانة وأمام المعارضة الشعبية إنزوى الاقتراح ليفاجئنا ترديد الفكرة مرة أخرى ويكون الرد: إنها دعوة لكي ننسف التمثال مرة أخري، وينسف معها أشياء أخرى كثيرة تسللت إلينا في الزمن الردئ حكاية بورسعيد ليست مجرد حكاية مدينة وقوانين تجارية تتغير كل حين. إنها تقدم شهادة لتاريخ الأمة خلال نصف القرن الأخيرة على الأقل.. أمة قاتلت وناضلت وضحت كثيرا، انهزمت وإنتصرت، ولكنها استطاعت أن تنجز المهمة الصعبة وأن تحقق الاستقلال وأن تصمد للعدو وأن تنتصر على من أرادوا كسر إرادتها وعندما جاء وقت قطاف الثمار حدثت الإنتكاسة،وتحالفت الأخطاء مع الأهواء الشخصية مع التآمر الخارجي على حصار الأمة حتى لا تواصل الإنتصار، وعلى ضرب الذاكرة القومية حتى تنسى أنها عرفت يوما كيف تقاتل وتضحي وتنتصر وسادت قيم الفهلوة والثراء السريع وغابت قيم العلم والعمل.. ومهما كانت الخسائر فالمهم أن نتعلم الدرس وأن نعالج الخطأ، وأن نعيد الأحلام للعلم والتقديس للعمل، وأن نستعيد الروح التي ضاعت. فضاعت معها قدرتنا على أن نحلم ثم نحقق الأحلام، وأن نقاتل في أصعب الظروف ونحن نؤمن بالإنتصار. ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية