تعلم الرئيس الفلسطيني من كل تاريخه الطويل عبر العواصم والمخيمات وطاولات المفاوضات ودهاليز السياسة الشديدة الغموض والتعقيد، تعلم كيف يجلس بهدوء منتظراً نتائج مناوراته الشديدة الذكاء، كما تعلم كيف يراهن على القضية الاكثر حساسية وخطورة، وعلى مواقف جميع الاطراف منها، وهي مواقف شديدة التناقض، ومن هنا تعلم أبو عمار كيف يستمر، ومن هنا قال كلمة يحفظها له التاريخ: (الزعماء اما ان يعرفوا متى سيموتون، واما ألا يعترفوا بأنهم سيموتون) وذلك في رحلة له الى الجابون استغرقت 10 ساعات، واحترق خلالها احد محركات طائرته ومع ذلك أصر على مواصلة الرحلة! إنه ومنذ ما يزيد على الثلاثين عاماً وعرفات محاصر في سجن اكبر قضية في التاريخ، وبهذا السجن ومن خلاله ظل يتنقل من موت الى موت، حتى وصف بطائر (الفينيق) على حد وصف الصحفي التونسي (الصافي سعيد) لانه الطائر الاسطورة الذي ينهض من الرماد في كل مرة ويحلق بعيداً، برغم كل الرهانات الأكيدة على موته الاخير. وكثيرون هم الذين راهنوا على موت ابي عمار اغتيالاً بقنبلة أو ضربة أو طلقة أو فخ، وحتى شارون مجرم الاجتياح الاسرائيلي على لبنان، ظل في كل صباح يرسل قواته وطائراته لملاحقة ابي عمار وظل طيلة وجوده في العاصمة بيروت ينتظر خبر مقتله على أحر من الجمر، لكن ذلك لم يحدث، فطائر الفينيق الفلسطيني طار من بيروت الى تونس ومنها عاد رئيساً لسلطة فلسطينية يصر الكثيرون على انها دويلة من ورق تحكمها اسرائيل، بينما يصر عرفات على انها الخطوة الاولى نحو الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس. اليوم، كما يحدث منذ ثلاثين عاما، وكما تقول صحيفة «الجارديان» البريطانية، يرسي الجيش الاسرائيلي طوقاً مسلحاً حول مكاتب عرفات في رام الله بهدف عزله عن شعبه، وعن باقي العالم، لانها فرصة شارون لتحقيق ما فشل في تحقيقه عام 1982 عندما اجتاح لبنان، واحتل بيروت، وفتش طويلاً عن عرفات لقتله والخلاص من قضيته، فهل سيتمكن طائر (الفينيق) هذه المرة من فك الطوق، وجعل دبابات شارون المتمترسة على بعد 30 متراً من مكتبه ترحل تاركة له حرية التحرك كما كان يفعل سابقاً؟ هل ستدفع نداءات الرئيس المصري حسني مبارك باتجاه خطوة لانقاذ الختيار المحاصر؟ هل سيفعل عمرو موسى شيئاً ما وهو الذي اخترق 10 سنوات من الحصار والعزلة على العراق ليستقر ضيفا في بغداد متداركا ان يقترب اللهب من الفتيل العراقي الذي يمهد له أساطين السياسة في واشنطن منذ ان ضربت افغانستان في العاشر من اكتوبر الماضي؟ لقد عرفنا عرفات منذ وعت عيوننا العالم، والتلفاز ونشرات الاخبار، فما عرفناه الا مُوَدعا ومُسْتَقْبَلاً، وما رأيناه إلا طائراً أو واقفاً، وكأنه لا ينام ولا يأكل، ولا يجلس الا ليتفاوض، أو يساوم أو يقايض! ثم عرفناه رئيساً رضيت عنه سيدة العواصم، واستقبلته نيويورك، وواشنطن، ثم دارت به الدوائر واول دوائر الحياة هي استحقاقات العمر والمرض، فهل نشهد الحصار الأخير لهذا الرجل الاقرب الى الاسطورة؟ الاسطورة التي قد نختلف كثيراً حولها لكننا لابد ان نقبل سطوتها وتأثيراتها في نهاية الأمر! ولعرفات قائمة طويلة من الاعداء كما يقول المحللون السياسيون، اولهم اليمين الاسرائيلي الديني المتطرف، ورجال حماس، وعملاء الموساد، وعناصر فلسطينية متعددة، وقبل هؤلاء شارون رئيس الحكومة الاسرائيلية الحالي، ومع حصار الجيش الاسرائيلي، تأتي تهديدات الجبهة الشعبية باغتيال عرفات ما لم يتم اطلاق زعيمها المعتقل احمد سعدات، وبرغم ذلك يقبع عرفات في مكتبه يمارس عمله وينتظر نتيجة نداءاته، وما ستسفر عنه قمة بيروت المقبلة، حتى ذلك الوقت سيظل عرفات محاصراً في حراسة القوة 17 المكونة من 300 رجل مكلفين بحراسته ليل نهار، حتى يقول احد ثلاثة كلمتهم الأخيرة: إما القدر، أو أمريكا وشارون، أو الحكومات العربية!! aishasultan@hotmail.com