يجد العديد من المحللين وجه شبه كبيراً بين الظروف الاقليمية والدولية التي تأسس فيها مجلس التعاون الخليجي عام 1981، والظروف التي رافقت انعقاد قمته الثانية والعشرين في مسقط نهاية العام الفائت، برغم ان عشرين سنة تفصل بين هذين التاريخين بالاضافة الى محطة بالغة الاهمية والخطورة مثلتها حرب الخليج الثانية عام 1991، في اعقاب احتلال القوات العراقية الكويت منتصف عام 1990. ويرى هؤلاء المحللون انه اذا كانت دول مجلس التعاون الست ادركت، بعد قيام الثورة الايرانية عام 1979 وتولد مناخات جديدة في المنطقة، حاجتها الملحة الى ايجاد رابطة وحدوية، رسمية وقانونية، تجمعها وتوفر لها مزيداً من القوة والمنعة، فقد اكتشفت في اعقاب التطورات الناشئة عن احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي ومضاعفاتها على المنطقة ذاتها ـ التي تشكل بمجموعها جزءاً اساسياً منها ـ ليس فقط اهمية وحيوية تلك الخطوة التي اقدمت عليها قبل عقدين من الزمن، وانما تأخرها في تحويل مشروعها المستقبلي من نصوص وصيغ قانونية غير مكتملة الى حقائق كاملة وواقع ملموس، وقد صدرت اشارات واضحة في هذا الشأن عن معظم القادة الخليجيين خلال قمتهم الاخيرة، عكست مدى قلقهم من بطء الاجراءات التنفيذية ومن عدم اكتساب البنى الاساسية للمجلس القوة الكافية التي تمنحها القدرة على مقاومة تأثيرات الاحداث الطارئة بالاضافة الى التخلف عن اتخاذ مبادرات متقدمة تتيح لمجلس التعاون اعتماد سياسات قوية وواضحة من مختلف القضايا الاقليمية والدولية، ما يؤهله من ثمة لاحتلال موقعه الطبيعي في هذا العالم الذي يشهد تغييرات جذرية وسريعة. وعلى الرغم من ان مقارنة اوضاع وظروف دول مجلس التعاون الخليجي بمثيلتها لدى دول الاتحاد الاوروبي تنطوي على ظلم كبير للاولى، لاسباب مختلفة من ابرزها نشأتها الحديثة وتجاربها المحدودة في التعامل مع معطيات العصر الراهنة، إلا ان استحضار تجارب الاتحاد الاوروبي الناجحة في مجال ارساء الوحدة الاقتصادية بين عدد كبير من الدول المختلفة القوميات والثقافات واللغات والسياسات العامة، يبدو امراَ مفيداً، وذلك لتسليط الضوء على هذه التجارب والافادة منها في الحدود الممكنة، وتشير التجربة الاخيرة للاتحاد الاوروبي، حيث اصبح «اليورو» عملة موحدة لاثنتي عشرة دولة اوروبية منذ مطلع العام الجاري، الى ان الاتحاد المذكور يتابع مسيرته بخطى ثابتة، وقد استطاع بفضل وحدته الاقتصادية المتطورة باستمرار، تشكيل كتلة اقتصادية ونقدية كبرى مرشحة لان تصبح الاولى في العالم بعد انضمام مجموعة دول اخرى اليها. بيد انه ما كان لذلك ان يحدث من دون تجاوز بعض العقد التاريخية الناشئة عن الصراعات القديمة وعن الخصوصيات القومية او القطرية التي فقدت الكثير من تأثيراتها النرجسية، ومع ان دول مجلس التعاون لا تعاني من تلك النزعات، نظراً لانتمائها الى امة واحدة وثقافة مشتركة، كما تجمعها عادات وتقاليد متشابهة، بالاضافة الى ظروف اقتصادية متماثلة، فهي تجد صعوبة، كما يبدو، في التخلص من بعض الاعتبارات التي تؤخر اندماجها ضمن منظومة اقتصادية واحدة، ولعل هذا المحظور بالذات هو ما دفع ولي العهد السعودي الامير عبدالله بن عبدالعزيز الى القول لدى مخاطبته القادة المجتمعين في مسقط اخيراً، «ان تمسكنا المبالغ فيه بمفهوم السيادة التقليدي هو الذي يقف حجرة عثرة امام مساعي التوحيد». واشار الى ان «اعطاء مجلس التعاون قدراً كبيرا من الصلاحيات لا يعني التنازل عن استقلالنا بقدر ما يعني دعم هذا الاستقلال وترسيخه وصولاً الى وحدة عربية واسلامية في المواقف والتوجهات والاهداف». واذا كانت المقارنة بين تجربة الاتحاد الاوروبي وتجربة مجلس التعاون الخليجي تبدو غير منصفة، او غير واقعية، فإن ثمة تجربة اخرى يمكن الاعتداد بها والبناء عليها هي تجربة الامارات العربية المتحدة، وفي هذه التجربة، التي يشهد الجميع على نجاحها، تم توحيد عدد من الكيانات الصغيرة «ذات الخصوصية ايضا» في دولة واحدة اصبحت لها مكانة بارزة على المستوى الاقليمي والعربي والدولي. وهذه التجربة، شأنها شأن تجارب وحدوية اخرى، ما كان لها ان تحدث او ان تكتمل لولا التخلي عن الحساسية القطرية ولولا امتلاك قدر كبير من الحكمة والواقعية، ومن الاندفاع الوحدوي المترفع عن الشكوك والوساوس. ان حجم التحديات الذي كشفت عنه احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي وما اعقبها من تطورات عالمية، واخرى اقليمية ذات ارتباط بمنطقة الخليج على وجه الخصوص، اظهرت على نحو صارخ سعة المسافة التي مازالت تفصل مجلس التعاون عن اهدافه الاساسية، فالمشروع الخليجي الذي كان يهدف الى تكوين كتلة اقتصادية وسياسية وعسكرية وثقافية لها مقوماتها الذاتية وتستطيع الاعتماد على نفسها، كان يمثل في الآن نفسه تجربة وحدوية تصلح لتكون نواة لوحدة اوسع واشمل، كما كان الحال بالنسبة لدولة الامارات العربية المتحدة مثلاً، وبطبيعة الحال فإن هذه التجربة لن تبلغ المستوى الذي يجعلها مثالاً وحدوياً كاملاً، إلا اذا استجابت لطموح المشاركين فيها اولاً، ولعل ولي العهد السعودي كان واضحاً في تأكيده ان ذلك لم يحدث بعد، وان عدم حدوثه لا يستند الى مبررات مقنعة. ربما تكون التحديات الراهنة، وتمثل تجربة الاتحاد الاوروبي الناجحة بين الحوافز الدافعة للاسراع في تنفيذ اجراءات التوحيد الاقتصادي، ابتداء من تقديم موعد تطبيق الاتحاد الجمركي «من 2005 الى 2003» وانتهاء باطلاق العملة الخليجية الموحدة في عام 2010، فاستكمال خطوات التوحيد الاقتصادي، لا يساعد فقط على توحيد الجوانب الاخرى لسياسات الدول المعنية، اقليمياً وعالمياً، وانما يمكنها من اكتساب موقع اقوى في مفاوضات الشراكة مع الاتحاد الاوروبي التي بدأت قبل نحو ثلاثة عشر عاماً ولم تحقق اي نتيجة حتى الآن. ولعل المأخذ الاساسي على مجلس التعاون، في هذه المفاوضات انه لا ينتظم ضمن اتحاد جمركي، ولا يملك مقومات اقتصادية مشتركة تؤهله لتحقيق تبادل اقتصادي حر مع اوروبا، وثمة من يتهم الاتحاد الاوروبي بالتذرع بهذه الحجج للتهرب من ابرام مشروع الشراكة، وبالتالي تجنب ادخال المنتجات البتروكيماوية الخليجية لانها تنافس المنتجات المماثلة لدى الشركات الاوروبية، ولكن بعد استكمال الخطوات الوحدوية الخليجية سيصبح باستطاعة مجلس التعاون الدخول في مفاوضات جديدة مع الاتحاد الاوروبي يتحقق فيها التوازن بين الطرفين. والى ان يتم ذلك لابد من انتظار عدة سنوات اخرى وهو امر يضر بمصالح الدول الخليجية التي تحاول تنويع مصادر دخلها حتى لا يستمر اعتمادها على المداخيل النفطية وحدها، مع ما ينتج عن ذلك من تعريض الموازنات العامة لاحتمالات الانخفاض والعجز بسبب تقلبات اسعار النفط، وهو ما تكرر حدوثه مرات عديدة، لاسيما في اعقاب الهجمات الاخيرة على الولايات المتحدة. النتيجة التي انتهى اليها قادة دول مجلس التعاون الخليجي هي ان الوحدة، والمزيد من الخطوات الوحدوية في المجالات المختلفة، تمثل العلاج الفعال لحالة الضعف والتردي التي تعاني منهما الامة العربية والاسلامية كلها، ما يمكنها لاحقا من التصدي لمغتصبي حقوقها، ومستبيحي ارضها، ومنتهكي كرامتها، وفي مقدمتهم اسرائيل. ولقد ادرك المشاركون في قمة مسقط ان اول شرط لبلوغ هذا الهدف هو التخلي عن الحساسيات القطرية، ولعل فتح الباب، ولو تدريجياً امام اليمن للانضمام الى مؤسسات مجلس التعاون، خير تأكيد على التوجهات الرامية الى اسقاط هذه الحساسيات والاستفادة من التجارب الوحدوية الاخرى. ـ كاتب لبناني مقيم في باريس