بريجيت باردو التي أفاضت على الشاشة الذهبية بإثارتها الجريئة وفتنتها النادرة، ربما لم تنتبه وقتها ان الجمال إلى زوال، وما يتبقى للمبدع في خريف عمره هو مدى اقترابه وتفاعله الايجابي مع تطلّع الأجيال الشابة إلى حياة طبيعية يسودها العدل ويتمتّع فيها كل فرد بحقوقه المدنية البديهية. ويوم اعتزلت بعد بلوغها الأرذل من العمر، تنفس الصعداء الكثير من الآباء والأمهات، لأن بريجيت وغيرها من ممتهني الاثارة فناً كانوا بمثابة قنابل موقوتة للكثير من الأسر ليس في الغرب وحده بل في العالم أجمع، غير ان ذلك الاستبشار لم يدُم طويلاً، لأنه لم يكن موجوداً في الأساس، فاعتزال «باردو» لا يعني اعتزال «الخليعات»، بل ان ذلك كان فرصة لعشرات الآلاف من «البريجيتات» كي يتواجدن ويأخذن حظوظهن من هذا المجون العبثي والمجاني والذي ينأى بعيداً عن قيم الابداع الفني الحقيقي. «ب.ب» التي كانت تزهو كثيراً بتسميتها المختصرة، كان ممكنا ان تكتفي بالاعتزال ويمر الأمر بهدوء مع مرور الوقت، فما قدمته للسينما ظل حاضراً مثل ومضة شمعة في خريف النهايات، لا تكفي لاشاعة الرؤية. لكن نجمة فرنسا في ذلك العصر الآفل لا تنفك تنادي بحقوق الحيوان، بعد ان ألقت بكل مشاكل العالم خلف ظهرها، ونصبت نفسها فيما تبقى من عمرها «نصيرة شرسة» للحيوانات ولا تزال تعلنها: «ان ما يقلقني هو مصير هذه الكائنات وهي التي أكرّس لها وقتي ومالي». وأكثر ما يلفت في حرص «ب.ب» على الحيوان هو انتقالها إلى خوض المعارك في المحاكم وضمن وسائل الاعلام المختلفة مع من تدّعي انهم «أعداء لهذه الكائنات البريئة». ولم تكتف صاحبة «الأمجاد الغابرة» بذلك فقط، فها هي بين الفينة والأخرى تقود الحملات الشعواء وبدون الاستناد إلى أي منطق أو مسوّغ قانوني ضد الاسلام والشعائر التي يلتزم بها المسلمون في الغرب وعلى رأسها نحر الخراف وغيرها في عيد الأضحى المبارك. وكان أحدث هذه الحملات ضد الحكومة الألمانية التي أقرت بشكل رسمي السماح بذبح المواشي حسب الشريعة الإسلامية، وطبعاً كانت بريجيت بـ «المرصاد» هذه المرة أيضاً، حتى انها وصفت عملية ذبح الحيوانات بأنها نوع من «الارهاب» ضد «كائنات بريئة» وتقطّر قلبها دماً على حيوانات أحلّ الله سبحانه وتعالى ذبحها لتكون طعاماً لبني البشر، وهذا الأمر لا يقتصر على المسلمين فقط، بل ان كل الأديان أباحت أكل لحوم بعض الحيوانات. ومثلما تحاول بريجيت باردو احراج الحكومة الألمانية هذه الأيام تحت شعار انها ضنينة بحقوق الحيوانات، مستفيدة من أجواء التهييج الغربي ضد كل ما يتعلق بالإسلام وشعائره ومؤسساته، فإن هذه الفنانة المعتزلة سعت سابقاً إلى احراج المؤسسة السياسية في فرنسا على اعتبار ان الجالية المسلمة واحدة من أكبر الجاليات التي يتشكل منها نسيج المجتمع الفرنسي، الأمر الذي دفع آنذاك بمنظمات محاربة التمييز العنصري وغيرها من الهيئات إلى رفع دعاوى أمام القضاء الفرنسي تعبيراً عن رفضها واستيائها من تجاوز «باردو» للحدود المتعارف عليها في العلاقة بين الشعوب وأديانها، والتي كفل حقوقها القانون الفرنسي وغيره من قوانين الدول الأخرى. بريجيت باردو التي لم تعد تملك من هيئتها وحضورها ما «يغري» البشر وبخاصة منهم صنّاع السينما تسعى لمجد في الوقت الضائع.. وأيّ مجد هذا الذي لا يجد البشر لهم مكاناً فيه؟! واذا كان من الطبيعي أن يكون كل فرد على هذه الأرض حريصاً على الكائنات والمخلوقات، بما هي عناصر أساسية لاستمرار الحياة على الكوكب، فإن من العسير الفهم ان يصبح همّ انسان ما الحيوانات فحسب، واستخدام هذا «الهوس» في معارك «وهمية» ضد ديانة بعينها! أما ان تسخّر بريجيت باردو امكاناتها المالية لـ «اخوتها» الحيوانات.. فهو أمر استاء منه كثير من الغربيين وليس العرب فقط، ذلك ان جزءاً من «اخوتنا البشر» يعانون من ضائقات مالية وظروف اجتماعية متردية، فيما المجاعات والامراض والحروب تتنقل من مكان الى آخر على كوكبنا، ولم تعد المؤسسات الخيرية والملاجئ قادرة على استيعاب قوافل الضحايا، الأمر الذي يتركهم مشردين على الأرصفة وفي أزقة الحواري بما يترتب على ذلك من تفاقم معدلات الجريمة والانحراف. كل أولئك، من وجهة نظر بريجيت باردو، لا يستحقون النظر اليهم بعين العطف، لا لأنها غير مسئولة عنهم ولكن لأن الأقربين أولى بالمعروف. وهل ثمة علاقة أكثر قرباً إليها من الحيوانات؟! يبقى هذا مجرّد سؤال.. لكن الأمور في هذا العالم تسير على مهل وبكل الهدوء المصطنع، فبالأمس القريب وإلى أفغانستان ـ التي لا يزال شعبها ينزف معاناة وجراحاً وقابعاً على خطوط النار، وفي مخيمات الحدود ـ وصل فريق من النشطاء الغربيين في مجال حقوق الانسان لمحاولة تحسين ظروف عشرات من الحيوانات المهملة والجائعة والمريضة في حديقة كابول. فهل من يصدق؟