لو كان رجل الدولة هو سياسي تدرب على الصمت فإن الاقتصادي هوخبير يعرف غدا لماذا لم يحدث اليوم ما تنبأ به بالأمس.. ولو كان الرجل المغرور هو ديك يظن أن الشمس لم تشرق إلا لتسمع صياحه فإن الدبلوماسي هو شخص يستطيع أن يحدثك عن البطاطا الساخنة طويلا حتى تصبح باردة.. ولو كان الحب هو المرض الوحيد الذي لا نتمنى الشفاء منه فإن المتاعب هي السلعة الوحيدة التي يزيد فيها العرض عن الطلب.. ولو كان البنك هو مؤسسة تقرضك مالا اذا أثبت أنك لست في حاجة اليه فإن التجربة هي الاسم المهذب الذي نطلقه على أخطائنا.. ولو كانت التجاعيد هي توقيع الزمن على الوجوه ليثبت مروره عليها فإن خاتم الزواج هو أغلى خواتم الدنيا لأنه يكلف صاحبه أقساطا شهرية طوال حياته.. ولو كان التثاؤب هو الفرصة الوحيدة للزوج كي يفتح فمه في حضور زوجته فإن الحياة هي رحلة يفسد الآباء علينا نصفها الأول ويفسد الأبناء النصف الثاني. لا أحد منا لا يحب مثل هذه العبارات الرشيقة الساخرة التي تضع الحياة في برشامة.. فهي قطيع من النجوم نجمعه من رغوة السحاب.. من احتكاك رؤوسنا بالشمس.. من عيون الفلاسفة والصعاليك.. من المواعيد التي نأخذها من الجمال في الهواء الطلق.. إن الخبز وحده لا يكفي لملء حياتنا.. وجهاز العقل يجب أن يسبق الجهاز الهضمي أحيانا.. لذلك.. فكل جملة من جمل المقال هي ملعقة فيتامين.. وكل نقطة وكل فاصلة لا تخلو من الحديد والكالسيوم والفسفور وباقي الأملاح والمعادن التي يعيش عليها الانسان.. وقد حصلت عليها بالصدفة وأنا أغادر مطار بيروت عائدا الى القاهرة.. فقد لفت نظري كتاب ضخم يقترب من 700 صفحة.. عليه صور تولستوي وهمنجواي وشكسبير وأرسطو ونابليون وسارتر وأفلاطون.. وغيرهم من سادة العقل.. وعنوانه (موسوعة الأمثال والحكم والأقوال العالمية).. جمعها منير عبود.. وقد استمتعت بقراءتها.. ووجدتني أتحمس لأن أنقل بعضا منها اليكم.. فأنا هنا مجرد ناقل عطر.. سفير يحمل الزهور والرغيف.. فلا كان البيت الذي لا يتعانق فيه بياض الرغيف.. وعلبة ألوان الزهور.. لا كان. وربما كانت خفة الظل وراء سرعة انتشار وسهولة تداول مثل هذه العبارات الرشيقة الخاطفة التي تبدو مثل راقصة باليه تقوم بدور البجعة على بحيرة فوق السحاب.. أو سيمفونية تعزف في قاعة من قاعات الموسيقى في فيينا.. إن هذه الثروة من الحكمة ليست من حق أحد احتكارها أو تأميمها أو بيعها في السوق السوداء.. إنها مشاع مثل الهواء والجمال والتطلع الى السماء.. ولنبدأ بالأكثر سحرا. الجمال هو توقيع الله على مخلوقاته.. الأزهار هي أفكار تنبتها الأرض.. القبلة توقيع مزور لعقد اتفاق.. الرجل الشهم: الذي يحمي المرأة الضعيفة من كل الرجال إلا هو.. الزوجة: الباب الأول في ميزانية البيت.. الحب العذري: بندقية لا يعرف حاملها أنها مليئة بالرصاص.. الحب الخالد: حب المرء لنفسه.. الانسان: الحيوان الوحيد الذي يمكن سلخه أكثر من مرة.. الزوجة المخلصة هي التي ترفأ جورب زوجها كلما اشترت لنفسها ثوبا جديدا.. الكفن: بدلة سفر آخر رحلة.. العانس: امرأة ضاعت منها الفرصة لاشقاء الرجال.. الرأسمالي: رجل يملك من المال أكثر مما تستطيع زوجته انفاقه.. المهادنة: استسلام بالتقسيط.. السياسة: تجارة بدون رأسمال.. الزواج: عقد العمل الوحيد الذي يبيح للمرأة استخدام الرجل 24 ساعة في اليوم.. الصمت: ارخص أركان الحكمة.. الخبرة: حلول الأمس لمشاكل اليوم.. الجيش: مجموعة من الرجال مهمتهم اصلاح الأخطاء التي يرتكبها الدبلوماسيون.. ولو كنت تتصور أن الفلاسفة هم أشخاص يجري في عروقهم الأسمنت فأنت لست على صواب.. فالجدية الشديدة سرعان ما تتحول الى سخرية أشد.. على طريقة شر البلية ما يضحك.. إن الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر يشبه الحياة ببصلة.. تنتزع قشورها طبقة بعد أخرى.. وهو ما يجعلنا نبكي في بعض الأحيان.. وبرنارد شو الكاتب الانجليزي الحاد يعتقد أن الطفولة هي فترة من العمر يعيش فيها الانسان على حساب غيره.. ويصف الشخص الذي توفي أو المرحوم بأنه إنسان عاش طوال حياته وهو يعتقد أن الدنيا لا تمشي ولا تصلح بدونه.. ويعرف الأمانة بأنها خوفك من أن تضبط متلبسا بالخيانة.. أما الممثل الأمريكي الراحل جون واين فيصف الدنيا كالماء المالح.. كلما ازددت شربا.. ازددت عطشا.. ويقول: إن الخطوبة عملية استطلاع قبل الحرب البرية.. ويقول: إن المرتب الصغير هو مصنع اللصوص.. ويقول: الأحمق هو شخص يحرمك من الوحدة دون أن يمتعك بالصحبة. وفي المكتبة العربية كتاب شهير عنوانه (قالوا) كتبه أنيس منصور في عبارات سريعة.. كان بعضها شوكا مر به على جلد النساء.. لكنه لم يجرحه.. بل دغدغه.. لذلك فالمرأة كانت الزبون الأول للكتاب.. فهي تريد أن تقرأ عن سطوتها وقوتها بكل اللغات.. بما في ذلك لغة السخرية.. والمرأة الأكثر قراءة لكتب الأدب.. فالرجل على حد قول نزار قباني مخلوق غير شعري.. الرجل يابس ومالح وغليظ.. ما أن يتخرج في الجامعة حتى يفك ارتباطه بالأدب.. فلا يقرأ إلا جريدته اليومية.. ولا يهتم إلا بجدول أسعار البورصة.. الرجل يأكل القصيدة بأسنانه في حين أن المرأة تتكحل بها وتعلقها كحلق الزمرد في أذنيها. وليس هناك كاتب واحد على ظهر الأرض لم يضع خطا تحت كلمة مأثورة.. وربما أخذها من مكانها ليحبسها في درج مكتبه.. ولا تصدق أرنست همنجواي عندما يقول: إن الكلمات المأثورة هي توابيت لا يجب البقاء فيها أو هي مثل أكياس الماء الساخن وأدوية الروماتيزم ومشروب البابونج لا يتعاطاه إلا الذين يعيشون في بيوت رطبة.. ولكن صدق أحمد بهاء الدين الذي قال ذات مرة ان مثل هذه الكلمات تخترق الهدف لتجعلك دائخا بعض الوقت قبل أن تواصل مسيرة الحياة الرتيبة. وتحتل علاقة الرجل بالمرأة المساحة الكبيرة من هذه الطلقات الموجهة.. فعندما يغير الرجل رأيه كثيرا كما تفعل المرأة فالغالب أنه متزوج منها.. وعلى المرأة أن ترتدي من الثياب ما يكفي لجعل الرجل دافئا.. ولا سبيل للرجل كي ينتصر على المرأة إلا الفرار منها.. ولا تطلب الفتاة من الدنيا إلا زوجا فإذا جاء الزوج طلبت منه كل شئ.. وهناك امرأتان مثاليتان.. احداهما ماتت والثانية لم تولد بعد.. والرجل رجل في بعض الأوقات والمرأة امرأة في كل الأوقات.. في الأمور العظيمة يتظاهر الرجال كما يحلو لهم وفي الأمور التافهة يبدون على حقيقتهم.. والرجل الحاذق يقول للمرأة أنه يفهمها والرجل الغبي يحاول أن يثبت ذلك.. والرجل.. الرجل.. مثل الشجرة.. جذوره في الأرض وأغصانه في السماء.. وعظمة الرجل تقاس بمدى استعداده للعفو عمن أساء اليه.. وأغلب الظن أن عشاق المرأة الغبية دائما الأذكياء.. فلا ننسى أن أرثر ميللر تزوج مارلين مونرو بعد ربع ساعة من لقائهما الأول. ويقولون أن على الرجل أن يحذر محبة المرأة أكثر مما يحذر عداوتها.. وعلى الرجل أن لا تأخذه المظاهر وهو يتعامل مع المرأة.. فكثيرا ما تخفي قوة المرأة رغبة عميقة في الضعف.. وكثيرا ما تخفي وراء كبريائها حاجة شديدة للحب.. ولو كان الرجل يريد من المرأة أن تفهمه فإنها تريد منه أن يحبها. أما أكثر ما يؤلم المرأة.. أن تضغط على لسانها.. ويمكن للمرأة أن تنسى عظائم الأمور.. لكنها لا تنسى توافهها.. كأن لا تشتري لها عقد الماس الذي أشارت اليه وأنتما تشتريان كسوة الشتاء.. والجمال للمرأة كالمال للرجل: كلاهما قوة ونفوذ.. الجمال سلطة مثل الثروة والبرلمان وجماعات الضغط.. ولذلك فإن همس المرأة الساحرة أعلى من صوت الضمير.. وهو ما جعل قضاة الدنيا ومأموري السجون يقولون: فتش عن المرأة.. ولو كانت المرأة أسطورة يصدقها الرجل فإن الرجل أسطورة تتخيلها المرأة.. وربما كان نابليون على حق عندما قال: إن المرأة التي لا تستطيع تضميد الجراح لا تستحق العيش.. لكنه مثل كل الرجال يفعلون عكس ما يقولون فقد ترك جوزفين تجرحه كل ساعة وتسيل دمه بلا توقف ولم يستطع أن يحرمها من العيش. ولولا البحر ودموع النساء لحاصرنا الجفاف وقتلنا العطش.. والمرأة والحب هما سبب استمرار الكون.. إن ذلك جعل الكاتبة الفرنسية المتمردة فرانسوا ساجان تؤكد أن مشاكل الرجال أكثر من مشاكل النساء.. وأولى مشاكلهم هي كيفية معاملة المرأة.. خاصة وأنه ليس هناك امرأة خطرة ولكن هناك رجل سريع الانفعال.. ورغم ذلك فإن أفلاطون كان يصف الحب بأنه مرض عقلي سخيف.. فقد كان يكره النساء.. على طريقة العنب البعيد حصرم. وهناك علاقة متينة بين المرأة والسياسة.. المكر والدهاء والذهاب بك الى المحيط والعودة دون أن تشرب نقطة ماء.. فهل كان نابليون يدرك ذلك عندما قال: إن الدول تموت من سوء الهضم.. أو أن الدولة كالانسان: طفولة وشيخوخة وموت.. وقد لاحظ توماس مور أن لرجال الدولة أنوف طويلة لكنه أضاف: إنهم لا يرون أبعد منها.. أما المهاتما غاندي فيؤمن بأن الأمة لا تستطيع أن تنهض دون أن تكتوي بنيران الألم.. ويبدو جبران خليل جبران أكثر صراحة عندما يقول: ويل لأمة تستقبل رجالها بالتطبيل وتودعهم بالصفير.. وويل لأمة لا ترفع صوتها إلا اذا مشت في جنازة.. أما الرئيس الأمريكي جيرالد فورد فيعترف بأن السلطة لا تستطيع أن تلبي رغباتك ولكنها تستطيع أن تأخذ منك كل شئ.. وبعبارة أخرى قال: إذا كانت الحكومة عظيمة بحيث توفر لك كل ما تطلب فهي عظيمة أيضا في الاستيلاء على كل ما تملك.. وقد جاء جيرالد فورد ليكمل مدة ريتشارد نيكسون الذي استقال بعد فضيحة ووترجيت.. لكنه قبل أن يغادر البيت الأبيض قال: صاحب السلطة يصدق التملق بسهولة وينسى النفاق بسرعة.. وقال: إن الانسان يلجأ الى التسلط على سواه كلما ضعف تسلطه على نفسه. وأجمل ما قيل في السياسة: إنها فن منع الناس من التدخل فيما يعنيهم.. وصاحب هذا القول مجهول .. وأغلب الظن أنه مواطن مات كمدا قبل أن يموت جوعا.. خاصة وأن ميرابو الذي شارك في تفجير الثورة الفرنسية يرى أن كل مشكلات السياسة تخرج من حبة القمح.. أي من لقمة العيش.. أما هتلر فكان يؤمن بأن رجل الدولة هو سياسي مات منذ عشر سنوات على الأقل.. ولكن المثل الأمريكي الذي تسمعه من سائقي التاكسي يقول: إن السياسة هي فن الفوز بالمال من الأغنياء والتأييد من الضعفاء بحجة حماية أحدهم من الآخر.. أما شارل ديجول أشهر زعماء فرنسا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية فيقول: لان رجل السياسة لا يعتقد بما يقول فإنه يعجب كثيرا كيف أن الناس يصدقونه.. وهو ما جعل الملك فاروق يفخر بأن السياسة هي المهنة الوحيدة التي لا تحتاج الى اعداد.. لكن كل المطلوب منه على حد قول وينستون تشرشل الزعيم البريطاني الداهية الذي جلب لبلاده النصر على جيوش النازية: أن يكون مراوغا.. فعندما يقول (نعم) فإنه يعني (ربما) وعندما يقول (ربما) فهو يعني (لا) وعندما يقول لا فهو ليس سياسيا.. ولكن ذلك لا يمنع الكاتب الاسلامي خالد محمد خالد من القول: إن الحرص على سلامة المجتمع ورخائه يقضي بتقريب المسافة بين طبقات الأمة وتوزيع الفرص على المواطنين.. ومن ناحيته يقول توفيق الحكيم: إن الخير والشر لا دخل لهما بالانسان الفرد.. لا وجود لهما إلا في المجتمع. ولو كنا قد وصلنا الى المجتمع فلابد أن نقرأ عبارة جبران خليل جبران الشهيرة: الناس رجلان.. رجل ينام في الضوء.. ورجل يستيقظ في الظلام.. أو نقرأ المثل الصيني الذي يؤكد أن أخلص الناس لك أشدهم حاجة اليك.. والمعنى نفسه في تلك العبارة التي تشبه الناس بالاسفنج.. لا تأخذ منهم إلا بمقدار ما امتصوه منك.. أو نقرأ العبارة المجهولة النسب التي تنتبه الى أن الله خلق لكل إنسان عينين.. ولكن أكثر الناس لا ينظرون إلا بعين واحدة.. لذلك كلما اقتربت من الناس وجدتهم أصغر. وفي الدول التي تسيطر عليها البيروقراطية هل نصدق نابليون عندما يقول: رب رجل تراه خلف المحراث جدير بأن يكون من كبار الموظفين ورب موظف كبير مكانه وراء المحراث.. وسئل موظف كبير: كيف يعمل للاحتفاظ بوظيفته فأجاب: أقول (لا) لكل رأي أو اقتراح جديد.. وكل موظف يعيش على نفقة الدولة لكنه ينسى أن الدولة تعيش على نفقة المواطن. وأشهر ما قيل في لعبة الصراع.. أن عدو عاقل أفضل من صديق جاهل.. وأشهر دعاء للزعماء: اللهم احمني من أصدقائي.. أما أعدائي فأنا كفيل بهم.. وهناك أصدقاء عندما تعرفهم عن قرب لا تحتاج معهم الى أعداء فهم يتكفلون بكل شئ.. لكن من المؤكد أن العدو الأكبر لإنسان.. نفسه.. والمؤكد أيضا ما قاله الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الناس أعداء ما جهلوا.. والنصيحة الغالية أن لا تستصغر عدوك فربما تمكن منك لمبالغته في تكبيرك.. والقول ينسب الى أفلاطون.. ولكن بنيامين فرانكلين يقول: ليس في الدنيا أعداء صغار.. فمن له ألف صديق لا يستطيع الاستغناء عنهم ومن له عدو واحد يراه في كل مكان.. وعلى طريقة السيد المسيح (من ضربك على خدك الأيمن أدر له الأيسر) يقول الكاتب المسرحي أوسكار وايلد: اغفر دائما لاعدائك فليس ما يضايقهم مثل الغفران.. وأنا أقول: إن من لا أعداء له لا أصدقاء له.. ولو أردت أن تحكم على شخص أحكم عليه من خلال أعدائه قبل أن تحكم عليه من خلال أصدقائه. ولو بقينا مع السياسة فإن اشهر مفكريها توماس كارليل يقول: إن أعداء الديمقراطية فئتان.. فئة لا تمارسها.. وفئة تمارسها.. وهو نفسه يرى أن حرية الصحافة بركة من بركات هذا العالم.. وفي مذكرات سعد زغلول: يحب السياسي الصحفي المؤيد ولكنه يزدريه ويكره الصحفي المعارض ولكنه يحترمه.. وهو نفس القائل: لا تقولوا لماذا تنتقدنا الصحف بل قولوا لماذا نتيح لها فرصة الانتقاد.. ولو كانت الجريدة هي فم الشعب فإنها أيضا أذن الحاكم.. أما هتلر فيقول: إن الصحافة هي مدرسة يومية يتلقى فيها الشعب علومه.. لذلك فقد سيطر عليها جميعا.. وفي الولايات المتحدة يقول أوسكار وايلد: يحكم الرئيس أربع سنوات.. وتحكم الصحافة الى الأبد.. ولو لم نصدق ذلك فعلى الأقل نحن نتمناه.. ونقوله. ـ كاتب مصري