منذ عدة أيام طلبت مني سيدة فاضلة تعد وتقدم برنامجاً ثقافياً في واحدة من اذاعاتنا المحلية بأن اكون ضيفة احدى حلقات البرنامج، وكان البرنامج عبارة عن لقاء يتحدث فيه الضيف عن كتاب قرأه، ويقوم باستعراضه وتصفحه مع المستمعين، مستخلصاً فكرته وأهميته وقيمته، وقد وافقت حيث وجدت الفكرة جيدة وذات فائدة حقيقية، وقبل ان تغلق سماعة الهاتف استدركت السيدة امراً فقالت: ولكن يا سيدتي هناك شرط في الكتاب الذي ستتحدثين عنه! وحينما سألتها عن ذلك الشرط اجابت: ألا يكون كتاباً في الدين او السياسة! ولم أعلق!! واخترت كتاباً من كتب الروائي العربي المعروف عبدالرحمن منيف وتحدثت عنه، وقد كان كتاباً في السياسة وأدب السيرة ولكنه كان شهادة حقيقية لرجل عاش مرحلة حافلة من مراحل الوطن العربي هي فترة الستينيات بكل تقلباتها وخضاتها ومفاصلها السياسية.. كان كتاباً في السياسة.. تحدثت عنه ولكنني تجنبت كلمة سياسة طيلة اللقاء، ومر الأمر على خير، كما اعتقد! تذكرت هذه الحكاية وأنا اتصفح كتابا قيماً وشهيراً من كتب الصحفي المصري الشهير (عادل حمودة) هو: (النكتة السياسية، كيف يسخر المصريون من حكامهم؟)، وقبل ان يكون كتاباً، فقد قدمه الصحفي الشهير قبل سنوات طويلة على هيئة تحقيق صحفي تحت اسم (شر الهزيمة ما يضحك) وكان تحقيقاً حول النكتة اللاذعة الحادة التي انتشرت في المجتمع المصري من أقصاه الى أقصاه حول الجيش والمؤسسة العسكرية وهزيمة 1967، وقد رفض التحقيق لأسباب معروفة هذا ما يقوله الكاتب في مقدمة كتابه لكنه يقول ايضاً بأن الكتاب قد استطاع ان يجمع بين الجدية والجاذبية، بين الاثارة والأهمية، فتحول من كتاب عن النكتة الى كتاب سياسي اكثر جدية مما يبدو للوهلة الأولى. وبذلك يؤكد (حمودة) بأن السياسة ليست درساً او حشوا او تاريخاً اكاديمياً او سرداً لحوادث خطيرة او اخرى ماتت منذ مدة، وكما في كتاب (النكتة السياسية) «فالسياسة يمكن ان تكون رحلة لجمع البصمات من فوق شفتي الوطن الذي نتصور احياناً انه يضحك بدون سبب!». وعندما تنتهي من تصفح الكتاب تعرف بيقين ان الأمر يتكرر دائماً مع السياسة بنفس الطريقة وبذات القوانين، ودائماً عندما يخشى الانسان سطوة السياسة يتوارى وراء غيره، وأحياناً وراء الحيوان! فيجعل الحيوان ينطق نيابة عنه لأنه لا يعتقل ولا يعذب اذا تكلم في السياسة أو سخر من أوضاعها.. من هنا تعرف ايضاً ان تماشي الحديث في السياسة امر أقرب الى المستحيل! aishasultan@hotmail.com