هل باتت حرب أهلية فلسطينية على وشك الاندلاع؟ لقد اشتعلت بالفعل معركة كلامية صعدت الى اقصى درجات الحدة بين الفصائل الفلسطينية والسلطة الوطنية بعد ان استبدت مشاعر الغضب العارم بقادة هذه الفصائل لدرجة ان بعضهم لجأ الى التهديد، وما لم تدخل الحكمة الوطنية على الخط لوضع حد لهذا الاشتباك الكلامي فان الخطوة التالية قد تكون اللجوء الى السلاح، وهذه هي الطامة الكبرى. شرارة المعركة الكلامية انطلقت من حادثة اعتقال نفذتها اجهزة الأمن الفلسطينية، وربما يقال ان الاعتقالات التي ظلت تقوم بها هذه الاجهزة باتت من سمات الحياة اليومية في الاراضي المحتلة بما لا ينبغي ان يثير استغرابا فضلا عن غضب فائر، لكن ما جرى هذه المرة لم يكن حادثة اعتقال عادية فقد تجاوزت الحادثة اصطياد الناشطين من الصفوف الخلفية لتطال، للمرة الاوى، شخصية قيادية كبرى على مستوى القمة من احد الفصائل النضالية العظمى ذات الاسم والتاريخ. لقد كان جديرا برئيس السلطة الفلسطينية وقادتها الأمنيين ان يفطنوا مسبقا الى ان اعتقال شخصية نضالية قيادية بقامة احمد سعدات الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لن يكون رد الفعل عليه الا عاصفة كاسحة، وهذا ما جرى بالفعل. لقد اجمع ممثلون لكل فصائل المقاومة (نحو 13 منظمة) بكل ألوان الطيف وبكل توجهاتها الايديولوجية من وطنية واسلامية واصدروا بيانا منقطع النظير من حيث الحدة والصراحة، انه بيان اقرب الى بلاغ حربي. ان اعتقال سعدات سوف يضع السلطة الوطنية «في مواجهة سياسية شاملة مع كافة القوى الفلسطينية»، هكذا كانت بدايات البيان الخطير ثم وصف اصحاب البيان حادثة الاعتقال بأنها «اجراء يمثل تطورا نوعيا في غاية الخطورة على الاوضاع الداخلية في الساحة الفلسطينية». ثم في لهجة تهديدية جاء في البيان انه «تم الاتفاق على ان يجري تحرك شعبي في الداخل وفي كل مواقع اللجوء والشتات». وبالاضافة الى ان الاعتقال طال شخصية قيادية من فصائل المقاومة يبدو ان هناك عوامل ادت الى انفجار هذا الغضب العام ضد السلطة الوطنية، فقد بدت عملية الاعتقال اولا وكأنها تمهيد لتسليم امين عام الجبهة الشعبية الى القوات الاسرائيلية، ونذكر ان اغتيال وزير السياحة الاسرائيلية، زئيف رحبعام جرى على ايدي عناصر تابعة لهذا الفصيل كعملية ثأرية للرد على اغتيال الامين العام السابق ابو علي مصطفى بواسطة عملاء امنيين اسرائيليين. لكن القصة لا تنتهي عند هذا الحد، فقد اشترطت الحكومة الاسرائيلية على السلطة الفلسطينية اعتقال قتلة الوزير الاسرائيلي كثمن يدفع مقدما لازاحة الحصار الشخصي المفروض على عرفات في مدينة رام الله. اذن وقر في اذهان قادة المقاومة ان اعتقال سعدات هو في الحقيقة استجابة لاملاءات اسرائيلية على السلطة الفلسطينية، وفي كل الاحوال يبدو ان الغضب العام الذي تفجر بسبب هذه الحادثة هو في الحقيقة نتاج لتراكمات من مشاعر عدائية متنامية ضد السلطة. ما المخرج اذن لتفادي تطور المعركة الكلامية بين قيادة السلطة وقادة فصائل المقاومة الى مستوى وقوع طامة كبرى تتمثل في اندلاع حرب اهلية يمكن ان تعصف بالانتفاضة الفلسطينية .. ربما نهائيا؟ هناك عيب استراتيجي يتهدد مصير الانتفاضة في كل الاحوال وهو ان قيادة السلطة تتصرف في اتصالاتها الخارجية بمعزل كامل عن قادة المقاومة الوطنية. ولتلافي هذا العيب الخطير فان المطلوب اذن هو جلوس قادة السلطة مع قيادات الانتفاضة للاتفاق على استراتيجية شاملة وموحدة للاجندة الداخلية والخارجية معا. وهذا الاجماع المصيري ليس بوسع احد تحقيقه سوى ياسر عرفات .. فهل يستجيب لهذا الداعي في هذا الظرف الدقيق بالغ الخطورة؟