لا يوجد تاريخ ملطخ بالدماء لشخص فرد كما هو تاريخ وزير خارجية أمريكا الأسبق هنري كيسنجر، ومع ذلك فان هذا التاريخ لا يزال به الكثير من الدماء غير المكتشفة، أو التي حاول العديد من مؤرخي سيرته الذاتية، بمن فيهم صناع السينما الهوليوودية إخفاء وجودها في تاريخه الشخصي، بل أن من حاولوا صنع أسطورته كرجل سياسة بارع لم يجدوا مفرا من ذكر جزء من تاريخه الدموي بالتركيز فقط على ما حدث في الانقلاب العسكري في التشيلي الذي راحت ضحيته «الديمقراطية» نفسها والرئيس المنتخب «سلفادور الليندي»، والتركيز على هذه الجزئية من تاريخ كيسنجر لم يكن في الحقيقة سوى محاولة لإخفاء جوانب أخرى أكثر دموية، ودماء أخرى أبشع من تلك التي روت الأرض التشيلية خلال انقلاب المخابرات المركزية الأمريكية والجنرال بينوشيه عام 1973. لكن إحقاقا للحق فان تاريخ هذا الرجل يبدو متسقا مع أصوله اليهودية التي ترى أن كل شئ جائز في هذه الدنيا، وأن الغاية تبرر الوسيلة، وغايته كانت بلوغ أعلى منصب يمكن أن يسمح ليهودي بتوليه في الإدارة الأمريكية التي تضع منصب الرئيس للجنس الأبيض وللديانة المسيحية فقط، وتحابي اليهود بمنحهم المناصب الحساسة في الاقتصاد باعتبارها صناعة من يعبد الدولار مثلهم، ثم «مطبخ» السياسة الخارجية باعتبارها إحدى الأدوات التي تضمن سياسة دولية منحازة بشكل كامل لإسرائيل التي يرى كل يهودي أمريكي أنه جزء منها وينتمي إليها قبل انتمائه إلى الدولة التي ولد على أرضها وربته وعلمته ومنحته جنسيتها. الغاية والوسيلة ولم يكن هنري كيسنجر استثناء من القاعدة اليهودية الممتدة، ليس فقط عبر تاريخ الولايات المتحدة، بل عبر التاريخ كله، وان كان ليس هنا مجال ذكر الشخصيات اليهودية التاريخية ودورها في تدمير الحضارات التي كرمتها ومنحتها الجاه والمنصب، فالرجل منذ أن بدأ يأخذ طريقه على أولى درجات السلم الوظيفي في الإدارة الأمريكية كان يبحث عن الطريقة المثلى التي تمكنه من تحقيق هدفه الشخصي باحتلال ارفع منصب في السياسة الخارجية الأمريكية، بغض النظر عن «لون» تلك الإدارة التي تمنحه هذا الشرف، فسيان لديه أن يكون ذلك تحت إدارة رئيس ينتمي للحزب الجمهوري أم ينتمي للحزب الديمقراطي، لأن الحزبين في الحقيقة لا يمثلان سوى فروقا نوعية في التكتيك السياسي الداخلي والخارجي الذي تمارسه الولايات المتحدة، أما الهدف النهائي لهذه السياسة فهو عادة لا اختلاف حوله. خلال بحثه عن الطريقة المثلى لتحقيق هدفه في توجيه السياسة الخارجية الأمريكية، لم يعبأ هنري كيسنجر بأنهار الدماء التي يمكن أن تجرى على أراضى الله الواسعة التي شاء سوء حظها أن تمثل جزءا من استراتيجيته الشخصية، بل كان يعتبرها لازمة لتنير له الطريق إلى تحقيق هدفه، بل ولا حتى فكر لحظة في «جنسية» من يهدر دمهم في طريقه، فقد كان على استعداد لتقديم دماء الجنود الأمريكيين أنفسهم على مذبح هدفه الشخصي، وهو ما حدث بالفعل في فيتنام، والذي تم اكتشافه من خلال مذكرات بعض موظفي البيت الأبيض والخارجية الأمريكية الذين عرفوه وزاملوه منذ بداية رحلته وصولا إلى هدفه، وتم الكشف عنه مؤخرا في كتاب «محاكمة كيسنجر » للكاتب الأمريكي «كريستوفر هيتشنز » الذي صدرت طبعته الإسبانية قبل اسبوعين عن دار نشر «آناجراما» والذي تتبع فيه مسيرة حياة هنري كيسنجر في الفترة من 1968 إلى 1975، أي منذ أن كان عضوا صغيرا ومجهولا في الوفد الأمريكي المفاوض في باريس للبحث عن «حل شريف» للحرب الفيتنامية التي كانت هزيمة أمريكا فيها مؤكدة، إلى توليه وزارة الخارجية في عهد الرئيس نيكسون ودوره في الأحداث الدامية في بنجلاديش وتشيلي وتيمور الشرقية وغيرها من المناطق التي شهدت أحداثا دامية في تلك الفترة، لم تكن في الحقيقة سوى نتيجة لفكر كيسنجر الدموي الذي رافقه طوال حياته. ثمن باهظ يؤكد مؤلف «محاكمة كيسنجر» مدعما اتهاماته بالوثائق أن هنري كيسنجر كان يتجسس لحساب الحزب الجمهوري، وبشكل خاص لحساب ريتشارد نيكسون مرشح الحزب الجمهوري لرئاسة الولايات المتحدة، خلال مفاوضات باريس على الرغم من أنه كان وقتها يعمل في إطار الإدارة الديمقراطية التي كان يرأسها الرئيس جونسون، بل أن دوره خلال تلك المفاوضات تحول من مجرد دور موظف صغير يعمل في إطار الوفد الأمريكي إلى دور «المتآمر» الذي يخطط لإفشال تلك المفاوضات على حساب الولايات المتحدة، لأن التوصل إلى اتفاق «وقف إطلاق نار» مع فيتنام خلال تلك الفترة كان سيعتبر نجاحا سياسيا لإدارة الرئيس الديمقراطي جونسون وبالتالي نجاحا لمرشح الحزب الديمقراطي في انتخابات عام 1968 هيوبرت همفري الذي كان يحتل منصب نائب الرئيس ليندون جونسون. يقول المؤلف أن كيسنجر يعلم من سير المباحثات بين الوفد الفيتنامي الشمالي من ناحية، وبين الوفد الفيتنامي الجنوبي والأمريكي من ناحية أخرى، وذلك خلال خريف عام 1968 في باريس، ان التوصل إلى وقف إطلاق النار في حرب فيتنام كان وشيكا، نقل كيسنجر هذه المعلومات إلى ريتشارد نيكسون الذي رسم على أساس هذه المعلومات خطة هدفها إجهاض هذا الاتفاق، حتى لا يصب نجاح المفاوضات في جانب هيوبرت همفري منافسه في الانتخابات. بناء على الخطة المرسومة لإجهاض هذه المفاوضات نقل كيسنجر إلى رئيس الوفد الفيتنامي الجنوبي سرا رغبة الحزب الجمهوري في ألا يتم التوصل إلى اتفاق في هذا الوقت بالذات، وصور له أن الاتفاق المزمع التوصل إليه سيكون على حساب فيتنام الجنوبية، وان نجاح ريتشارد نيكسون في الانتخابات يمكن أن يوفر الحصول على اتفاق أفضل من المطروح على طاولة المفاوضات حينها، بناء هذه المعلومات قرر الوفد الفيتنامي الجنوبي الانسحاب من مفاوضات باريس عشية الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فخسر مرشح الحزب الديمقراطي الانتخابات. بعد نجاح نيكسون وتوليه السلطة ضم هنري كيسنجر إلى إدارته، وكلفه بإتمام المهمة التي أفسدها «ملف فيتنام» ويبدو انه لم يكن متعجلا لحل تلك القضية التي مرغت وجه أمريكا في الوحل، وكأنه كان يفاوض الأمريكيين أنفسهم على شرفهم في تلك الحرب، فقد ظل كيسنجر يناور في المفاوضات مع فيتنام الشمالية طوال أربع سنوات تحت شعار الحصول على «سلام »، خلال تلك السنوات سقط أكثر من عشرين ألف قتيل من الجنود الأمريكيين، وعدد لا حصر له من الفيتناميين الجنوبيين والشماليين، إضافة إلى القتلى المدنيين من لاوس وكمبوديا نتيجة القصف الجوي الأمريكي المتواصل بجميع أنواع الأسلحة المحرمة، من الغازية والجرثومية والنابالم الحارق، ذهب كل هؤلاء ضحايا «تآمر» هنري كيسنجر على الإدارة الديمقراطية التي كان يعمل في إطارها، قبل أن يصبح «مهندس» السياسة الخارجية للإدارة الجمهورية. لم يتذكر أحد كل هؤلاء الضحايا عندما وقف كيسنجر يتفاخر في باريس بأنه المفاوض الذي حقق السلام لبلاده ولفيتنام. بريق زائف لكن من عجائب القدر أنه في الوقت الذي كان فيه كيسنجر يتباهى بحصوله على ذلك السلام «المشرف » في باريس، كان رئيسه وراعيه وولي نعمته «ريتشارد نيكسون» يواجه فتح ملفات فضيحة «ووتر جيت» التي انتهت به إلى الاستقالة بعد اعترافه علنا أنه تجسس على منافسيه السياسيين، بل كان يتجسس ليس فقط على الحزب الديمقراطي المنافس، بل كان يتجسس حتى على أعضاء حكومته ومنافسيه في الحزب الجمهوري. هذه المعلومات ليست جديدة، ولكنها لم تنشر من قبل على نطاق واسع، لأن أي من الحزبين الديمقراطي أو الجمهوري لم يجرؤ على نشرها تخوفا من ردة الفعل لدى الرأي العام الأمريكي الذي لا يعلم إلى أي مدى وصلت الأخلاقيات التي تحكم السياسية والسياسيين في بلاده، وظهرت إلى النور لأول مرة عام 1994 بعد نشر مذكرات «اتش.. آر. هيلدمان» سكرتير البيت الأبيض، الذي كان يسجل كل كبيرة وصغيرة تحدث داخل جدران البيت الأبيض أو خارجه، لكنها لم تحدث الضجة المطلوبة لأنها نشرت بعد رحيل الكاتب كشهادة «ميت». لم يكن ضحايا الحرب الفيتنامية خلال سنوات البحث عن «السلام المشرف » في باريس الثمن الوحيد الذي دفعه الشعبان الأمريكي والفيتنامي ثمنا لمؤامرات هنري كيسنجر، بل في الوقت الذي كان يحاول فيه إنهاء المأساة الفيتنامية كان يعد مأساة أخرى في تشيلي، تحت شعار إسقاط النظام اليساري للرئيس سلفادور الليندي، فالوزير الذي كان يعتبره المعجبون به عبقرية سياسية كان يخطط لمزيد من الدماء في العديد من مناطق العالم، لجذب المزيد من المعجبين بالخط السياسي «الكيسنجري» الذي صار علامة من علامات السياسة الخارجية الامريكية. بعد مؤامرة فيتنام كان كيسنجر وراء مؤامرة الانقلاب العسكري في تشيلي، ومؤامرة شراء الأصوات في إيطاليا لحساب الأحزاب اليمينية عندما كان الحزب الشيوعي الإيطالي على أعتاب الحكم، ثم مؤامرة فصل بنجلاديش عن باكستان، ودفع مسيحيي تيمور الشرقية إلى المطالبة بالانفصال عن إندونيسيا، وكان وراء إجهاض «نتائج» النصر العسكري العربي الذي حققه الجيش المصري في حرب أكتوبر 1973، وبقية العرب من خلال حرب البترول، والقائمة طويلة. كل هذا البريق الذي حصل عليه هنري كيسنجر خلال رحلته الطويلة من موظف مجهول في الإدارة الأمريكية إلى احتلال أعلى منصب في السياسة الخارجية دفع ثمنه مواطنون من جميع أنحاء العالم، ليس بالمال بل بالدماء التي أريقت على مذبح نجاحه الشخصي. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا