تعتبر البيئة من أهم مصادر القلق بالنسبة للانسان المعاصر ويراها الكثيرون منبع الخطر الرئيسي الذي يهدد البشرية وهي تقف على أعتاب القرن الحادي والعشرين وقد أصبح التلوث وثقب الاوزون وتآكل القشرة الارضية.. من المفردات التي تتردد على مسامعنا دائما، وان تدهور البيئة سيظل مستمرا لطالما تزايد عدد السكان، وهذا التزايد سيتطلب انتاجا متزايدا مما يزيد من حدة التلوث وخصوصا الاقبال على الاستهلاك من قبل السكان. وما أكثر ما يتردد حول البيئة، فالاسماك في طريقها للانقراض وحرارة الجو المتزايدة سوف تؤدي الى اشتعال الأرض وجفاف الزرع، والزراعة ستلوث البيئة، فأين الحقيقة في كل ذلك؟ إن البيئة هي نتاج لمجموعة معقدة من الوقائع والحقائق النسبية والصواب في المعتقدات الشائعة عنها. ولا ننسى ان تفاقم مشكلة القمامة باتت عالمية وذلك من التزايد الانتاجي الصناعي الذي ترافقه عمليات التلوث ومن ثم الاستهلاك والقاء المخلفات، وذلك سيؤدي حتما الى ندرة في المواد المائية لكلا العاملين السكان والانتاج الصناعي، والتخلص من القمامة واقبال الناس على استخدام الطاقات الاولية مثل النفط والفحم الحجري في بعض البلدان سيؤدي الى زيادة في التلوث والاسعار مما يغرق البلاد الفقيرة في مزيد من الفقر ما لم يحد من هذه الزيادة والاستبدال بالطاقة المتوفرة مثل الشمس والريح، ولكن عدم الاستبدال وزيادة عدد السكان وزيادة الانتاج الصناعي وتراكمات القمامة ستؤدي الى كارثة بيئية في زيادة انطلاق الغازات الضارة جداً. واستنادا الى تقديرات كان يقوم بها كل خمسة أعوام مختصون بين عام 19501985، يرى الباحثون اننا سنصبح 112 مليار انسان مقابل خمسة مليارات ونصف المليار الآن، وأكثر من 23 مليارا في عام 2200 حيث يتنبأون بعد ذلك بحدوث استقرار. وبالطبع يمكننا ان نتخيل بسهولة ان موارد كوكبنا مهددة بألا تكفي لتغذية وتدفئة وانارة ونقل هذه الجموع التي تتركز كل يوم أكثر في مدن أصبح من الصعب ادارتها.. مكسيكو، القاهرة، هونج كونج وطوكيو، الا ان هذه الرؤية المفجعة تقابلها معارضة من قبل بعض الخبراء الذين يؤكدون اننا لا يجب ان نتخيل مستقبلا ثابتا، فهناك في الوقت نفسه ارتفاع المستوى المعيشي وهو العامل الأول في التحكم بالمواليد والاكتشافات العلمية والمجاعات والحروب والفيروسات. وثمة تساؤل يفرض نفسه: هل غاز الأوزون يحمينا ويحمي الكرة الأرضية؟ هذه المعلومة فيها الصواب وفيها الخطأ فتأثير الأوزون يختلف وفقاً لما اذا كان قريبا من الأرض أو في المجال الجوي المرتفع. وان أوزون الطبقة الهادئة من الغلاف الجوي بين 15 ألف متر و50 ألف متر ارتفاع من خصائصه انه يقوم بترشيح اشعة الشمس فوق البنفسجية التي تضر الاجهزة العضوية الحية، أما على مستوى سطح الأرض حيث تتنفس فإن اختلاطات الغازات المتسربة والاشعاع الشمسي يؤديان الى خلق أوزون يهيج العين ويولد الصداع النصفي. ولابد من الاشارة الى ان الفصائل الحية تنقرض شيئا فشيئا: وهذا محتمل فالتحولات التي تحدث في الأوساط الطبيعية (تجفيف المناطق الرطبة، ازالة الغابات، امتداد المدن وشبكات الطرق) تقضي على الأنواع الحيوانية والنباتية التي تتكيف في حياتها مع هذه الاجواء ولكننا لا نستطيع ان نقدر الخسائر بدقة. فتعداد الاحياء بدأ بالكاد، كما اننا لانزال بعيدين عن ان نعرف كل شيء حول التغيرات التي تنتهي الى ظهور نوع بيولوجي ولا حول أسباب الانقراض، وعموما فإن فقدان أحد هذه الانواع مثل موت شخص لا يعني نهاية العالم.. بل اننا نجد مثلا انقراض الديناصورات تمكنت الثدييات من النمو والتشعب. الملوثات الهوائية ويكتسب التلوث بغاز ثاني أكسيد الكربون اليوم أهمية خاصة لاسيما في بلدان الخليج العربي والدول المتاخمة، فحرائق آبار النفط الكويتية أطلقت اصدارات عالية من الملوثات الهوائية على رأسها غاز ثاني أكسيد الكربون. ومن المعلوم ان حريق الوقود (الفحم، الغاز، البترول) يؤدي الى توليد كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون، وبالتالي الى زيادة تراكمه في الغلاف الجوي، وتلعب النباتات دورا رئيسيا في تحقيق التوازن في نسبة هذا الغاز، فالنبات يحتاج الى غاز ثاني أكسيد الكربون ويستهلك كميات كبيرة منه خلال عملية التمثيل الضوئي التي تبلغ ذروة نشاطها في فصلي الربيع والصيف، وبالمقابل يؤدي تفسخ النباتات وخاصة في فصل الخريف والشتاء الى اصدار غاز ثاني أكسيد الكربون وتراكمه في الجو. وبديهي ان التلف الذي تتعرض له هذه النباتات والتفسخ الذي يصيبها سوف يؤدي الى نتيجتين حتميتين: قلة امتصاص ثاني أكسيد الكربون من جهة وزيادة اصداره من جهة اخرى. وثمة حقيقة علمية اخرى هي ان مياه المحيطات تقوم في نهاية الدورة بعملية امتصاص ثاني أكسيد الكربون المتراكم في الغلاف الجوي، الا ان العملية تحتاج الى وقت طويل جدا وذلك بسبب صعوبة الخلط بين تيارات المحيط العميقة والتيارات السطحية الغنية بهذه الغازات وتحتوي البحار الآن على 60 ضعفاً لكمية غاز ثاني أكسيد الكربون الموجودة في الغلاف الجوي، وهذا يعني ان مياه المحيطات لا تستطيع ان تمتص ما هو دون نصف كمية غاز الكربون الصادرة على مدى 50100 سنة مقبلة. ولقد أشارت احدى الدراسات التي أجرتها وكالة حماية البيئة التابعة للحكومة الامريكية الى ان الولايات المتحدة الامريكية تنتج لوحدها سنويا أكثر من مليار كيلوجرام من ملوثات الهواء السامة، أي ما يعادل 4 كيلوجرامات لكل مواطن أمريكي. وقد قامت وكالة حماية البيئة بمراقبة 320 ملوثاً بينها 60 ملوثاً مسبباً لمرض السرطان، ولكن هناك من يردد ان الصناعة في الدول العربية والدول النامية لم تصل الى ما وصلت اليه الدول الكبرى صناعيا وبالتالي معدل التلوث فيها أقل بكثير، ولكن حركة الرياح والتيارات وغيرها تنشر التلوث في الغلاف الجوي للكرة الأرضية، وبالتالي فالجميع يتأثر بالتلوث عاجلا أو آجلا، وخاصة ان بعض الدول العربية والنامية بدأت تتمركز فيها صناعات حديثة اضافة لتمركز الصناعات التقليدية، وهذا التمركز يؤدي الى تغيرات اقليمية وضغوط في البيئة، فالمنافسة الحادة التي ولدتها البلدان غير المتطورة قادت الى الحديث عن المنافسة البيئية غير العادلة الناشئة عن الصناعات التقليدية والتي تبلغ نفقات منع حدوث تلوث البلدان المتطورة بعد ان انتقل انتاج بعض الصناعات التقليدية لها أعلى مما تبلغه في البلدان غير المتطورة نتيجة لاختلاف في الشروط البيئية وفي الانظمة وفي عمر المنشأة الصناعية. البيئة العربية إن البيئة العربية تشغل بال سكان الأرض وهي واحدة من أبرز القضايا التي يواجهها العصر الحديث نظرا لما تتعرض له البيئة من انتهاكات خطيرة تهدد سلامة وديمومة الحياة على هذا الكوكب، حيث لم يقتصر الاهتمام على الهيئات والمنظمات الرئيسية بل تعداه ليشمل كافة فعاليات المجتمع وكوادره، ونظرا لأهمية وتنامي الأخطار التي تواجه المحيط الجوي والبيئي فقد اعتبر يوم الرابع عشر من اكتوبر من كل عام يوم البيئة العربي. وأمام واقع البيئة لابد من العمل على تغيير اتجاهات الانسان نحو البيئة من اتجاهات عدوانية أو سلبية أو الى اتجاهات ومواقف ايجابية تتجلى في الحفاظ على البيئة العربية واحترام نظامها وتوازنها بغية الوصول الى السلامة وبنية صحية. ولعل أبرز هذه الوسائل التربية البيئية الصحيحة لشرائح المجتمع وجعل قضايا البيئة جزءا لا يتجزأ من قضايا التنمية الشاملة باعتبار ان التربية البيئية هي الوسيلة الوحيدة القادرة على اعداد جيل أو أجيال تتميز باتجاهاتها الايجابية نحو البيئة والتعاون السليم معها وهي التي تساعد الفرد على معرفة مسئولياته وواجباته تجاه بيئته البشرية والطبيعية، ايضا هي التي تجعله يدرك أهمية التوازن البيئي بين الانسان ومحيطه وهو ما يجب ان ننهض به وننميه بين كافة شرائح المجتمع لما يتفق مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. إن الدول العربية تحتفل سنويا بيوم البيئة العربي الذي يصادف الرابع عشر من شهر اكتوبر وقد اختار مجلس الوزراء العرب ـ المسئولون عن شئون البيئة ـ موضوع العمارة الخضراء في احتفالات عام 1998. ولابد من الاشارة الى انه بعد مؤتمر استوكهولم بدأت المنظمات العربية المتخصصة التفكير بالشأن البيئي لاسيما المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم لكن الاهتمام اقتصر على الجانب البيئي دون ربطه بالتنمية. بعد ذلك تطور الأمر الى انه ينبغي التسليم بالحقيقة العلمية القائلة ليس هناك تنمية مستمرة دون بيئة سليمة، وفي السبعينيات عقد أول مؤتمر عربي لدراسة الاعتبارات البيئية في خطط التنمية حضره عدد كبير من الخبراء العرب والمختصين بالتنمية وكانت مقررات هذا المؤتمر أساسا لانعقاد أول اجتماع لوزراء البيئة العرب في 14/10/1986 بتونس. وفي السنوات الخمس الأولى من تأسيس المجلس الوزاري العربي للبيئة جرى التركيز على المنظور العربي للبيئة والتنمية المأمونة والملائمة والمستدامة كما جرى حصر الآفات البيئية التي أصيب بها الوطن العربي بفعل الطبيعة والمناخ وآثار النشاط الانساني. وفي عام 1991 أعد المجلس ثلاث وثائق مهمة لعرضها على قمة ـ الريو ـ في يونيو 1992 وهي تعتبر بحق دليلا دستوريا للعمل العربي المشترك من أجل المحافظة على البيئة وتحسين مواردها وادخال الاعتبارات البيئية في خطط التنمية، ولقد اختير اليوم العربي للبيئة نظرا لاتفاق العرب على انشاء مجلس وزراء البيئة العربية وصدور القرارات التأسيسية والتنظيمية واقرار آلية العمل العربي المشترك وحشد الطاقات لاظهار اهتمام العرب بالبيئة وتبقى المهمة القادمة هي ان تنتقل الافكار الى حيز التطبيق العملي. واليوم العربي للبيئة كغيره من الأيام الظافرة في التاريخ العربي الحديث وعندما نتحدث عن العمارة العربية الخضراء في وطننا العربي لابد من التركيز على نقطتين الأولى: انتشار آفة التصحر، والثانية: التناقص في موارد المياه. وهاتان الآفتان تؤثران بصورة أساسية على الأمن البيئي الذي هو الأساس في الأمن القومي، فلا يمكن لأي بلد عربي الصمود في مسيرته التنموية الا في اطار البيئة السليمة العربية الواحدة، ويستوي في ذلك جميع الاقطار العربية دون استثناء. ولنضع نصب أعيننا ان حجم المخاطر التي تهددنا في السنوات العشر الماضية تشير الى اتساع الفجوة الغذائية العربية ويزداد العجز الغذائي سنويا بحدود 40 مليار دولار والمعادلة تبقى صعبة اذا لم تتحرك فالسكان يتزايدون والموارد البيئية اللازمة لهم تتناقص وتتعرض للمخاطر نتيجة التصحر وندرة المياه برغم من وجود ثروات اخرى كبيرة كالنفط والطاقة الشمسية، لذلك لابد من ان يضع المجلس الوزاري العربي لشئون البيئة استراتيجية متكاملة تؤدي الى تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء ليسود البساط الأخضر والبيئة المنتجة والعمارة الخضراء. العمارة الخضراء لقد تم تبني مفهوم العمارة الخضراء بما يوازي العمارة البيئية من قبل الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بالمشاركة مع لجنة البيئة والتنمية وخبراء بيئة عرب وأجانب وذلك ضمن ندوة عقدت العام الماضي تحت عنوان العمارة الخضراء وقد صدرت مجموعة توصيات عنها لارساء مفهومها بما يتضمن الترشيد الفعلي لسبل الاعمار والسكن ومراعاة التنمية المستدامة التي تتطلب استخدام الموارد الحالية دون المساومة على موارد الاجيال المقبلة، وفي العمارة الخضراء أو البيئة لا تهتم فقط في وضع استراتيجية البناء المتكامل من الوجهة البيئية وحسب بل تهتم ايضا باستخدام الطاقة الآمنة كفاءة أي الطاقات المتجددة والبديلة خاصة طاقة الشمس والرياح وبلادنا العربية تمتلك مخزونا كبيرا من الطاقة والذي يبلغ ثلاثة آلاف ساعة شمسية سنويا، فإذا استغلت ضمن مفهوم العمارة الخضراء في الدول العربية يمكن ان تحقق استثمارا مضاعفا للطاقة. لاسيما وان العمارة الخضراء تحقق التوافق بين الانسان ومجتمعه وبيئته من خلال الربط بين ثلاثة عناصر أساسية هي كفاءة استخدام الموارد والتعامل الأمثل مع الظروف المناخية والجغرافية والاجتماعية السائدة والاستجابة للاحتياجات البشرية المادية والاجتماعية مع الحفاظ على حقوق واحتياجات الاجيال القادمة. وفي هذا المجال فإن التنسيق مستمر ومميز بين وزارة البيئة في سوريا ووزارات البيئة في الوطن العربي من خلال التوصيات والقرارات التي يضعها مجلس وزراء البيئة العرب الذي تترأسه السعودية وتتولى سوريا مقعد نائب الرئيس للمكتب التنفيذي وهذا المجلس يقوم الآن بتنفيذ برامج قومية مهمة في مجالات التصحر والتلوث الصناعي، والتربية والتوعية والإعلام البيئي وهناك تنسيق مهم بين الدول العربية لجميع القضايا البيئية والدولية وغالبا ما تكلف سوريا بأن تكون المنسق العربي في المؤتمرات الدولية لما لها من مشاركات فاعلة وعلاقات دولية مميزة مع المنظمات الدولية في هذه المجالات وقد أصبح لمجلس وزراء البيئة العرب شخصية اعتبارية مميزة في هذه المؤتمرات. لقد بدأت سوريا بشكل جاد في التصدي لعنصر التلوث بايجاد صيغ ملائمة ومناسبة للتغلب على المشاكل البيئية التي تصاعدت وتزايدت مع اتساع القاعدة الصناعية وتطور مختلف مناحي الحياة وفعالياتها من خلال عدة اتجاهات حيث وضعت وزارة البيئة السياسات الاستراتيجية والخطط المبرمجة لمعالجة المشاكل البيئية القائمة بهدف تحقيق التوازن البيئي. ـ كاتب سوري