من جديد «بن سوقات» و«الجمري..» من ذلك الزمن القديم الجميل الذي يتباكون عليه كثيرا رغم انه زمن الشقاء والتعب الا انه عندهم مع قسوته وشدته عصر الراحات و«الشراغات» انها ايام الصبا والشباب ذكريات المقالب والحب فيها ليالي الشعر والغناء وعند الأصدقاء الشعراء فن السخرية ووصف كل شيء فيهم وحولهم، انهم الضاحكون شعرا. في ذلك الزمن تمكّن الشاعر سالم الجمري ـ وهو الذي يبدأ في الشعر والمقلب دائما ـ من إثارة قريحة صديقه الشاعر محمد بن سوقات فاغتاظ وأرسل قصيدة ضاحكة ساخطة وعلى غير العادة لم يرد الجمري إنما اكتفى بالصمت والضحك. والحكاية انه في إحدى الليالي والشاعر بن سوقات جالس في بيته مع بعض أصدقائه سمع صوتا ينادي عليه وعرف أن الضيف هو صديقه الجمري وبرفقته صديق ثالث لهما هو عبيد بن خليفة. طلبا منه أن يذهب معهما وكانت الأحوال قد تحسنت قليلا عند بن سوقات واصبح يملك سيارة خاصة به، ركبا معه ودلاه على مقصدهما وعندما اقتربا من المنزل الذي يريدانه نزلا وطلبا منه أن ينتظرهما وقد فعل ما أرادا. طالت غيبتهما وتحير بن سوقات في أمرهما، لماذا لم يطلبا منه أن ينزل معهما رغم انه يعرف صاحب المنزل الذي يقف قربه؟ قرر أن ينتظر احتراما لصاحبيه لكن انتظاره طال ولا اثر يدل عليهما في هذا الظلام. فجاءته الهواجس من هذه الإطالة وظن بهما ظن السوء. حرك سيارته مسرعا وهداه تفكيره إلى مكانهما الصحيح، فالذي حدث ليس سوى واحد من مقالبهما ومجيئهما هنا أرادا به تضليل وخداع صاحبهما. ذهب اليهما، انهما هناك في بيت «فلانة» صاحبة الفن والطرب والتي تحمل لمحمد في قلبها الحب والتقدير، وصدق حدسه وجدهما عندها، ولم يرحمهما كعادته من لسانه وقريحته الشعرية الساخرة والساخطة هذه المرة أيضا هو الفتى الشاب وهم «شواب سكراب»، يصف بشاعة الزمن وما فعله بهما. لا يمكنك سوى أن تضحك وتستمر في ضحكك من الصورة التي يحاول أن يرسمها بن سوقات في اشطر القصيدة، لم يترك فيهما صالحا حتى صورة فلانة «الزين» كما يصفها وهي تستقبلهما على مضض وحياء والتي ابتليت بهذه الزيارة التي كانت تنتظر فيها بن سوقات لا هؤلاء ومنظر الزين عندما تنتهي الزيارة ويغادرها الضيوف الشواب الثقال كيف تحثي التراب بيدها ورجلها خلفهم وحالها عسى ما ترجعون مرة ثانية. يقول محمد بن سوقات في قصيدته الساخرة: كذّاب وامعدي كذبكم حتى على الصاحب اتغبّون ما اظن يتيسّر هدفكم عند الذي صوبه اتسيرون ويقول ردّوا به دربكم وأبلا محمد ما تعيضون شوّاب وامصبّغ شعرّكم والجلد مطوي وليفون نجيع يازم في ركبكم اخصوص لي ييتوا تنشّون والفكّ ما هو في أمركم ايلّوي لو ماشي تلويون زمان قد قضى وطركم وعموركم ماتايد اسنون ما يشتهونه لي مثلكم قوّه بليتوا الناس وأتيون من مستحاه ايجرّب ابكم الزين لي ييتوا تقافون ويللي ظهرتوا ما حفلكم بالريل وايديهم يطبّون أهبو هبيتو لا رجعكم زولوا عساكم ما تعودون ما ان شاعت القصيدة وسمعها الصديقان إلا وزعل عبيد بن خليفة من الشاعر المنشد وقال للجمري: يرضيك ما قاله فينا وأنت شاعر لابد أن ترد عليه. قال له الجمري رحمه الله: ما قال بن سوقات إلا الصدق هذا كله فينا، وإذا رددت عليه هذا لسانه سليط وبيفضحنا اكثر احسن لنا أن نسكت. وضحك الجميع على قصيدة بن سوقات واثروا الصمت على الرد والمجاراة.