حرق الابداع ليس ظاهرة في المجتمعات الا ان البعض من المبدعين قد يلجأ إلى هذا الأسلوب إما احتجاجاً على وضع ميئوس منه يريد بذلك لفت الأنظار البعيدة إليه، أو أسلوباً يتخذ عقاباً صارماً وأذى بليغاً يلحق نفس المبدع في زمن ما كان نتاج ذلك العمل الابداعي يثير حنقاً وحسداً لدى المتربصين بالمتميزين الدوائر السيئة. منذ بدء الحضارة البشرية كان الحرق أسلوباً قاسيا بعيداً عن طريق الحضارة التي لا تنمو إلا بالاكثار من المنجزات الفريدة والبعيدة عن تفكير أهل الرتابة والخمول في ادارة الأعمال المريحة للعقول والاجساد معاً. فحرق المدن والعواصم الحضارية لاسباب تافهة لا ينم إلا عن التسلط والجبروت وحب الدمار في النفوس المريضة قديم قدم هذا الانسان الذي وصفه الرب في محكم آياته «كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى»، بالمال أو بالجاه والسلطان فكلاهما يؤديان إلى ذوبان الحضارة بين أمراض النفوس الصغيرة التي تتأذى كلما رأت الكبار معنويا يقومون بأعمال تبهر العالم وتخزي عيون الحاقدين وتحيلهم إلى جزيئات لا يرون حتى بالمجاهر المكبرة، لأن أعمالهم احالتهم إلى رماد يتطاير مع نفخة من أنفاس العظماء الذين وضعوا العالم في أكفهم يرفعون مقامه بابداعاتهم التي إذا ما طمست بين أهليهم خرج من بطون الأغراب من يرفع من قدرهم ولو بعد حين كأنه غيب مكنون لم يحن ساعة الشهود بعد ولكنه آت لا محالة. منذ سنوات تحدثت إلى أحد الشعراء عن الديوان الذي سيقوم باصداره أين وصل ومتى يرى النور؟ أجابني قائلا: لقد قام منذ فترة بحرق كل أشعاره، استصغارا لنفسه ومجهوده، هكذا يحكم المبدع على نفسه بالاعدام قبل صدور الحكم من قبل الآخرين، فلم هذا الاستعجال في التقليل من شأن الأعمال التي يجب ان يكون للآخرين قول ما فيها نفياً أو اثباتاً ولا يضير كلا الحكمين العمل الابداعي شيئاً، بل يزداد اصالة وقوة مع القيل والقال في المآل وليس بمنظور الحال. وأعود إلى قراءة خبر الفنان التشكيلي اللبناني جابي معماري واختياره الحرق أسلوباً للتخلص من 300 لوحة أمضى أكثر من عشر سنوات في رسمها، فحولها إلى ذرات من الرماد أحرق أزهى فترات عمره فيها، قيل احتجاجا على ما يجري في العالم من قهر ودمار، وهذا عمل يحتج به عليه ولا يمضي لصالحه لأن العالم منذ خلق فيه قهر ودمار ولن يوقف هذا الوضع عند حده بحرق الابداعات البشرية سواء كان شعراً أو فنا أو غير ذلك. فلم يلجأ البعض إلى تدمير الحسن والجمال لأن في العالم قبح لا يطاق، فهذه ثنائية لا علاقة لها بالمشاعر السلبية التي تحول الفن الراقي إلى نوع آخر من الدمار والقهر الذي يصيب المهتمين باستثمار الابداع البشري بدل اللجوء إلى هذا الأسلوب البدائي في التعامل مع ابداعات الحضارة الانسانية التي لم تقم على أنقاض القهر والدمار بقدر ما هي سمت بجهود المبدعين في شتى مناحي الحياة وإلا كان العدم هو مصير الكون الذي لم يخلق لذلك. E-Mail: DrAbdulla@albayan.co.ae