عادة ما تطلق هذه الصيغة على الذين يكنزون الأموال ويقترون على انفسهم ولا يعرفون سبيلا لمالهم سوى ادخاره ليومهم الاسود. والبخل صفة ذميمة لا يعرفها العرب لانهم كرماء بالفطرة واحدى اعظم فضائلهم ان يوصف المرء بالكرم، او ان يمدح شاعر شخصا ما بأنه اكرم من حاتم بن طئ. لكن العرب كلما اوغلوا بالجود من المال، بخلوا بالمشاعر ووضعوها في مرتبة دنيا فلا يفصحون علانية عن مشاعرهم العاطفية ولا يمنحون احبتهم جملة اعجاب او لفتة مودة، ونادرا ما يخاطب الزوج زوجته بـ «حبيبتي» او ان يناديها بألقاب محببة، كأن يقول لها يا روحي، او يا نظري، يا فؤادي... عموما يفعل الرجل ذلك عندما يكون اعزب ويريد تقديم فصاحة مشاعره لامرأة يريدها لنفسه، وهذه عادة ما تسبق الزواج فنراه يتودد قائلا: انت زنبقة عمري، او يا فرحي في الدنيا وسر سعادتي، او ياعصفورتي او فراشتي ويمكن ان يقول لها: يا قطتي المدللة باعتبار ان القطة كائن انيس تسمع الكلام وتنام باطمئنان وغير متطلبة! كما ان بخل الرجل بعاطفته يمكن ان يشمل افراد العائلة فهو لا ينادي ابنه بـ «يا فلذة كبدي» بل يناديه بـ «يا ولد» وفي احسن الاحوال وبلفحة كرم حاتمي بالمشاعر يمكن ان يقول له «الله يرضى عليك يا ابني» كما فعل وديع الصافي في وصاياه لبكره عندما نصحه ألا يتزوج من فتاة حضرية! ربما يشعر الرجل عندما يجود كثيرا بعواطفه ان ذلك ينتقص من هيبته الشرقية فيحجم عن البوح بحقيقة ما يحس به تجاه امرأته، عكس الرجل الغربي الذي لا يتوانى عن مناداة رفيقة عمره بـ «حبيبتي» على الفاضي والمليان، وليس السر في ان الرجل الغربي لديه مشاعر فياضة اكثر لكنها طريقة ذكية لتلافي الكوارث فهو ينادي عشيقته بـ «حبيبتي» كما يفعل مع رفيقة عمره، وهكذا لن يخطيء في اطلاق اسم عشيقته على زوجته او اسم زوجته على عشيقته، او يمكن ان ينادي جميع معارفه من النساء بصفة واحدة كأن يقول لسكرتيرته «هل طبعت الرسالة يا حلوى قلبي؟» ويقول لزوجته «جهزي نفسك للويك اند يا حلوى قلبي» وايضا يقول لعشيقته «سأمر عليك مساء يا حلوى قلبي». وباعتبار البخيل الشرقي يقلد الكريم الغربي في كل شيء فهو ينادي زوجته بـ «يا دكتورة» او «يا أبلة» وكذلك يفعل مع جميع ما ملكت يمينه درءا للاخطاء ودفعا للكوارث التي تخرب البيوت وليس بالضرورة ان تكون زوجته من العاملات في الحقل الطبي او التربوي، ولكنها صفة تطرب لها اذان بعض النساء فتنطلي الحيلة عليهن ويعشن مع بخيلهن في سبات ونبات. ولعل الجاحظ حينما انجز كتابه البخلاء لم يخطر في باله ان يكتب عن بخلاء المشاعر واكتفى بالحديث عن بخلاء الاموال فجاء على وصفهم وتعريتهم كما فعل بأهل «مرو» حيث كانوا بخلاء جدا الى تلك الدرجة التي يشترون فيها حذاء فيسيرون على رؤوس اصابعهم ستة اشهر وعلى كعابهم يسيرون ستة اشهر حتى يبلى الحذاء في سنة كاملة! ترى لو مشى واحدنا على رؤوس أصابعه ستة اشهر لأصبح ديكا او اذا مشى على كعبيه ستة اشهر لاصبح ارنب، وفي الحالتين سيكون مصيره اما نتف ريشه او سلخ جلده، وعندها لن تنفعه جميع عواطفه ومسمياته التي يطلقها على المرأة فهو عرف الدكتورة والابلة مجرد طعام يبقبق في طنجرة المطبخ. E.mail: H-S-d @ maktoob. Com