بعيداً عن الضجيج والشكوى والتبرم من كل شيء، بعيداً عن لهاث الحياة وايقاعها المتسارع خلف المصالح والماديات والصراعات، بعيداً عن الازمات، وانكسارات الاصدقاء وخيانات بعض الزملاء وجحود الجيران والأبناء.. بعيداً عن كل هذا السوء.. لنجعل لنا يوماً أو حتى ساعة من نهار وسط كل هذا الضجيج الخانق القاتل للروح.. لنجعلها ساعة هدوء وطمأنينة، نقترب فيها من أنفسنا وذواتنا وقلوبنا. هل جربت ان تسمع تحية صباح مختلفة.. صديق أو حبيب يقول لك كما قال جلال الدين الرومي لمن أحب يوماً حين رآه ضاحكاً ذات صباح: عجبا! ماذا بقلبك انت كالسكر تضحك ومع من قد قضيت الليل حتى لكهذا الفجر تضحك؟ يا ترى من اي روض انت حتى كندى الورد تضحك؟ فابتسم واضحك وكن ربيعاً تبتسم الدنيا حولك ولو لساعة من زمان، لنفسك أو لقلب من تحب، فالأمر لا يختلف كثيراً طالما كان في تبسمك فرح وجمال لك ولمن حولك، فكثيرون يرون الدنيا من خلال عيون من يحبون، وفرح من يهوون وفي لحظة هدوء حلوة اسمع شاعرة الصوت فيروز ذات صباح تغني: يا زائري في الضحى والحب قد سمحا عيناك أعلنتا ان الربيع صحا فهذا شاعر عاشق لم يعترف بهمس الربيع مطل من براعم الورد، أو انفاس الكون، أو رفوف الفراشات، أو الوان الطبيعة الندية، وحدها عينا من يحب أعلنتا له ان الربيع صحا فأيقن وتيقن.. واطمأن وهدأ! وفي عمق الهدوء والطمأنينة يغفو قلب المحب، وفي البعد عن الآخرين وضجيجهم يكون سلامه وبيته الذي يريده، وتغني فيروز مجدداً: ياريت.. إنت وأنا في البيت شي بيت أبعد بيت ممحي ورا حدود العتم والريح في هذا البيت البعيد المحمي من حدود الرؤية إلى حدود الطمأنينة لا يهم ان ضحك من تحب أو بكى، فعلى الحالين انت تعرف وترى وتتبصر، ولا تمر كسراب أو فراغ لا يشعر ولا يحس، وعندما تسمع فيروز تغني من جديد، تفهم وتتأمل: يبكي ويضحك لا حزنا ولا فرحاً كعاشق خط سطراً في الهوى ومحا من بسمة النجم همس في قصائده ومن مخالسة الظبي الذي سنحا قلب تمرس في اللذات وهو فتى كبرعم لمسته الريح فانفتحا تحتاج وان كنت في قصر أو في كوخ، في روض أو في قفر، في هذا العالم اللاهث الضاج الشاكي ابداً، والمليء بالمآسي، تحتاج لهدوئك، وإلى قلب تسكن اليه بهدوء، ولو لبضع من الوقت قبل ان يرحل الزمن منا، وبنا كل هذا الشجن وتراكم الأسى وجبال الضجيج الذي عليه ألقينا بأرواحنا وتوشحنا النسيان واصطنعنا الابتسامات والضحكات والوعود الزائفة. وتعود فيروز تغني هذا الصباح: امس انتهينا فلا كنا ولا كان يا صاحب الوعد خل الوعد نسيانا طاف النعاس على ماضيك وارتحلت حدائق العمر بكت فاهدأ الآن لذلك كله، وقبل ان يطوف النعاس على حدائق العمر، وطالما ان حدائق العمر نضرة، مزهوة بنا وبها، فلنغنم من الايام جمالها وصفاءها وشذاها، ولنغنم راحتنا وهدوءنا.. لنبن قصور قلوبنا من المحبة وحدها، وليرتحل كل هذا الشقاء والضجيج الذي هو زبد لا فائدة منه، ولكن دون تأجيل، واعتذار بالزمن، فالذي يؤجل اعتماداً على القادمات من الأيام، انما يراهن على الريح ويعول على السراب! وحده الأهم يجب ان نسعى له، واما الذي فوق التراب فهو تراب، تماماً كما قال المتنبي لصديقه وأميره سيف الدولة: اذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب aishasultan@hotmail.com