مع سنة 2002 التي استهلت أيامها الأولى، تنتقل البشرية بأسرها من عهد الى عهد، خصوصا بعد أن ودعت منذ عام قرنا من الزمان وألفا من الأعوام، فاقتحمت القرن الحادي والعشرين، ودخلت الألف الثالثة من الميلاد. وتلك لحظة حاسمة، نادرة، في تاريخ البشرية. ينبغي أن نواجهها بما يليق بها، ونتلقاها بما هو جدير بأحلامنا فيها، وأحسب أن أول ما ينبغي البدء به في هذا الصدد، خصوصا بعد أن أيقظتنا من سباتنا أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي، هو أن نتأمل سؤال المستقبل في ثقافتنا، كما نتأمل ثقافتنا من منظور سؤال المستقبل. وتأمل سؤال المستقبل في الثقافة يعني اكتشاف حضور هذا السؤال أو غيابه فيها، ومن منطلق أن حضور السؤال نفسه أو عدم حضوره مؤشر حاسم على اختيارات هذه الثقافة، ووسيلة دالة في قياس الهواجس التي تغيب أو لا تغيب عن وعيها، فتشدها الى السؤال أو تبعدها عنه بالقدر الذي تقترب به هذه الثقافة أو تبتعد عن معنى الفاعلية. وقد تعلمنا من التاريخ أن الثقافات المنشغلة بسؤال المستقبل والمشتغلة به في آن هي الثقافات المتطلعة الى التحول، الباحثة عن التغير، الساعية الى التقدم، وأنه بالقدر الذي تعي به الثقافة سؤال المستقبل، من حيث هو عنصر حضور فاعل في تكوينها، تتحدد قابليتها للتطور، وقدرتها على التقدم، ورغبتها في الابداع الذاتي. وبقدر غياب سؤال المستقبل عن الثقافة، وانشغالها عنه بنقائضه، تتصاعد درجة الاتباع في هذه الثقافة، وتتهوس بماضيها الذي يشغلها عن مستقبلها، ويحول بينها والتطلع الى ممكنات الغد الآتي بكل ألوان الوعد. وعندما نتأمل حضور أو غياب سؤال المستقبل في الثقافة على هذا النحو فإن حضور السؤال نفسه أو غيابه يغدو موضوع بحثنا وهدف تأملنا، بوصفه علامة كاشفة في ذاتها، أو بوصفه دالا ينطوي على مدلولات متعددة، تكشف عن الشروط الفاعلة في علاقات انتاج الثقافة وعمليات استقبالها. أما اذا تأملنا الثقافة نفسها من منظور سؤال المستقبل، فإنها تتحول من موضوع مباشر للبحث وتغدو بنية قابلة للتأمل، من حيث ما يمكن أن تقوم به من دور أو أدوار في المستقبل، وما ينتظرها من تحديات أو مخاطر، وما يمكن أن تؤول اليه من تحولات تتراوح بين أقصى درجات الايجاب أو أقصى درجات السلب. وسواء كنا في الوضع الأول الذي يتأمل سؤال المستقبل في الثقافة، أو في الوضع الثاني الذي يتأمل مستقبل الثقافة نفسها، فإن كلا الوضعين وجه لعملية عقلية واحدة، لا تنفصل علاقتها أو تتدابر مكوناتها، ذلك لأن تأمل حضور رؤى المستقبل أو غيابها في الثقافة هو الخطوة الأولى على طريق الاجابة عن السؤال الخاص بمستقبل هذه الثقافة. وعندئذ، لابد من أن نميز بين نوعين من الوعي الثقافي: وعي ماضوي تقليدي، ووعي مستقبلي استشرافي. الوعي الأول وعي أصولي، نقلي يحاول أن يشد حياتنا الى الوراء، وذلك على نحو يغدو معه سؤال المستقبل سؤالا غائبا في حياتنا وليس عنصرا تكوينيا من عناصرها الحيوية. ودليل ذلك يسير جدا، نلتمسه في ندرة الكتابات والرؤى التي تشغل نفسها بسؤال المستقبل، أو تضع المستقبل نفسه موضع المساءلة، وذلك في مقابل الوفرة الوافرة من الكتابات والخطابات والممارسات المهمومة بسؤال الماضي وحضوره الذي يتحول الى ما يشبه حضور العلة الأولى أو المركز المطلق للحضور. والنتيجة هي قياس كل شيء على الماضي، والعودة بكل جديد الى أصل يبرره من القديم، والنظر الى التغير في ريبة، والى التجدد بعين الاتهام. واداة هذا الوعي الماضوي هو النقل الذي يعني الغاء العقل، والاذعان الى التقليد، والركون الى التصديق الذي يشيع منطق الرضا بما هو كائن، والنفور من توتر السؤال الذي يضع الأشياء والمسلمات والأفكار موضع المساءلة. وأما الوعي الثاني فهو نقيض الوعي الأول، لأنه وعي يفتح أفق التجريب والمغامرة، ويقيس على الحاضر في حركته الى المستقبل، ولا ينشغل بالماضي إلا بوصفه عنصرا من عناصر الحاضر الذي يقبل التحول والتطور والمساءلة. ولذلك فهو وعي حداثي بالضرورة، وتجريبيته هي الوجه الآخر من نسبية اجتهاد، فهو وعي لا يعرف الحلول الجاهزة أو الاجابات المسبقة، ولا يؤمن بالمطلقات الانسانية التي تشل الحركة، أو الدوائر المغلقة للفكر. وسؤال المستقبل عنصر تكويني في هذا الوعي وعلامة عليه، سواء في حرصه على الارتقاء بالانسان من مستوى الضرورة أو مستوى الحرية، أو الانتقال بالمجتمع من وهاد التخلف الى ذرى التقدم. وأتصور أن وعي المستقبل يجب أن يحتشد بذاكرته الخاصة التي يتحول بها ماضيه الى طاقة خلاقة تسهم في صنع وعود مستقبلة. ومن هذه الذاكرة اختار كتاب طه حسين (19731989) «مستقبل الثقافة في مصر» فهو منجز من منجزات الوعي المستقبلي الاستشرافي، بل لعله المنجز الأول المتكامل عربيا في التطلع الى هذا المستقبل، خصوصا بوصفه أفقا مفتوحا من احتمالات الحضور الابداعي. وقد كتب طه حسين كتابه مدفوعا بما تحقق، نسبيا، في مصر بواسطة معاهدة 1936 بين مصر وانجلترا في لندن، وإمضاء الاتفاق بين مصر وأوروبا، ورأي طه حسين (مستقبل الثقافة في مصر) مشروط بأربعة شروط لا يمكن تحقيق مستقبل الثقافة دونها: الشروط الأول هو الشرط الانساني، فقد آمن طه حسين أن الثقافة المصرية - العربية جزء فاعل من الثقافة الانسانية، وأن انتماءها الى ثقافة البحر الأبيض المتوسط هو انتماء الى النزعة الانسانية التي رعتها ثقافات هذا البحر وحضاراته، فهي ثقافة لا تعرف التحيز العرقي، ولا المنظور الشوفيني، وتؤمن بالحوار بين القوميات والأديان إيمانها بالتفاعل بين الأجناس والأعراق. وكان هذا الشرط الانساني متفتحا بما لا يتناقض مع المنظور الوطني الذي انطلق منه طه حسين، في بحثه عن مستقبل ثقافي واعد لأمته التي كانت قد حصلت على استقلالها وحريتها النسبية بين الأمم. أما الشرط الثاني فهو العقلانية التي تعني وضع العقل موضع الصدارة، من حيث هو الاطار المرجعي الذي تقاس به الأشياء أو الأفكار، ويؤدي الى تقليص مخاطر النزعات الأصولية والنقلية، ووضعها في موضع المساءلة. ولا حدود للعقلانية في المساءلة الخلاقة للوعي الذي يجاوز نفسه بنفسه، والذي يرى في التقدم الانساني أفقا مفتوحا لا يتوقف عند حد، كما يرى في القدرة الخلاقة للإنسان الوسيلة التي يتحقق بها التقدم في مدى التطور الذي لا نهاية له. ويترتب على العقلانية ويلازمها الايمان بالعلم بوصفه التجسد المادي للعقلانية والتحقق الفعلي لأفقها المفتوح على المستقبل. والشرط الثالث هو الحرية التي رآها طه حسين بمثابة الزاوية الثالثة التي يكتمل بها مثلث المستقبل الثقافي، فالحرية هي القدرة على اختيار موضوع المعرفة، وممارسة الفعل الاجتماعي السياسي في المدى المفتوح من الاختيار الفكري والاعتقادي. وتعني الحرية حق مساءلة الموضوع الاجتماعي والسياسي والاعتقادي والفكري بالقدر نفسه، دون وصاية أو خوف من قوة تسلطية. ويلزم عن هذا الحق حق الاختلاف وحق الخطأ، فلا معنى لحق السؤال دون حق الاختلاف في الجواب، ولا معنى لحق السؤال دون حق الاجتهاد الذي يلزم عنه حق الخطأ. ويترتب على ذلك أولوية السؤال على الاجابة، والشك على اليقين، والنسبية على الاطلاق، والمعرفة المفتوحة للمجتمع الذي يؤمن بالتسامح على المعرفة المغلقة للمجتمع القائم على التعصب. أما الشرط الأخير لمستقبل الثقافة فهو العدالة بمعناها الاجتماعي والثقافي، فقد آمن طه حسين أنه لا معنى لمستقبل واعد لأي ثقافة ما لم نضمن وصولها الى كل أفراد المجتمع بواسطة التعليم، وما لم تعمل الدولة على تحويل كل أفراد المجتمع الى أفراد فاعلين في الخلق الثقافي بواسطة تطوير آليات التثقيف. ولذلك دعا طه حسين الى أن يصبح التعليم كالماء والهواء حقا لكل مواطن، وحقق دعوته عندما أصبح وزيرا للمعارف. وفي الوقت نفسه، وجه الأنظار الى ضرورة تطوير أجهزة التثقيف العام بما يؤهلها لأن تمتد بأشعتها الى كل بقعة، وذلك بما يجعل الوطن كله منارة للاشعاع الثقافي لكل من حوله. ولم يفهم طه حسين عدالة توزيع الثقافة بعيدا عن معناها الاجتماعي، بل على النقيض من ذلك، جعل المعنى الاجتماعي للعدل الأساس المنطقي لعدالة توزيع المعرفة والثقافة، مدركا أن عملية انتاج الثقافة وتوزيعها عملية لا تنفصل عن علاقات الانتاج وقوى الانتاج في المجتمع.