بداية أدين بالفضل بهذه الفكرة إلى احدى زميلاتي في العمل التي قدمتها لي كفكرة تحقيق.. وعندما فشلت في العثور على من يثري الموضوع بكلامه، توقفت عن اجراء التحقيق، لكن ظلت الفكرة في ذهني تلح علي ولا تبرحني.. فلنبدأ. يفرق بعض الفلاسفة بين ماهية الانسان وبين ماهية الشيء، وذلك في سياق كشفهم للتباين الذي يكتنف معنى الاثنين.. حتى ارتأوا أن وجود «الشيء» وليكن جبلا، في «ذاته»، أما الانسان فوجوده من «أجل» ذاته.. بمعنى ان الجبل، على سبيل المثال، لو تغير شكله، وانهدت ملامحه صار شيئاً آخر، واختلف اسمه عن ذي قبل كأن يصبح كثباناً رملية.. أما الانسان فان لوجوده امتداداً وتجليات مختلفة سواء كان على قيد الحياة، أو بعد مماته، وعظمة هذه التجليات لا تكمن في شحمه ولحمه وشكله الظاهري وحواسه المعروفة، بل في ادائه الحياتي والذهني، وفي موقفه من الطبيعة والعالم بوصفه خليطاً من القلق والاضطراب والتساؤل الدائم عن مشروعه في الحياة وجدوى تواجده.. خلاصة القول ليس الانسان بـ «وزنه» تلك الكلمة التي تطل بزخمها الاعلامي والاعلاني على حد سواء ليكشف لنا عن تثمين جديد لقيمة الانسان!! لذلك يصعب على المرء أن يصمت وهو يرى تحويل أحلامه ورسالته إلى مجرد «وزن».. فذاك «وزنك ذهب»، وذاك «وزنك نقود» والحبل على الجرار كما يقولون.. وكأنها دعوات لتسمين البشر وعلفهم كطريقة لتحقيق الأحلام والاستمتاع بالحياة بمجرد فوزهم. كان ديكارت يقول «أنا أفكر اذن أنا موجود» ولا ندري ماذا كان سيفعل الرجل حين يرى ان تحقيق الذات أصبح يوزن بالكيلو وقيمة الكد والعمل بالرطل. وفي هذا السياق تحضرني حكاية كنت قد قرأتها في كتاب «لسان آدم» لمؤلفه عبدالفتاح كيليطو، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي وهي عن عملية نقل رفات «ابن رشد» من مراكش الى قرطبة، اذ يقول ابن عربي في كتابه «الفتوحات المكية» ولما جعل التابوت الذي فيه جسد ابن رشد على الدابة، جعلت تواليفه «كتبه» تعادله من الجانب الآخر من الدابة. وأنا واقف ومعي الفقيه الاديب أبو الحسن محمد بن جبير، وصاحبي أبو الحكم عمرو بن السراج، فالتفت أبو الحكم الينا وقال: ألا تنظرون الى من يعادل الامام ابن رشد في مركوبه؟ فهذا الامام، وهذه أعماله.. فقال ابن جبير: يا ولدي نعم ما نظرت».. فلنتخيل هذا المشهد الذي أفاض المؤلف في وصف دلالاته.. فالكتب عادلت ابن رشد ميتاً، وصارت أفكاره هي وجوده ومعناه و«وزنته» المعتبرة، رغم خروج الروح الى بارئها.. فيالحزننا على أحيائنا وهم يحلمون بوزن كبير لكي يكسبوا اكثر واكثر لو حالفهم الميزان، عفوا، اقصد الحظ. لسنا ضد ما يقدم في هذا الشأن، فهي تساعد على التثقيف وترفع منسوب معلوماتنا.. لكن الطريق الى جهنم مفروش بالنوايا الطيبة.. ولا ندري مدى الغيظ الذي سوف يصيب النحفاء لو وضع القدر «الميزان» في طريقهم؟ ولا مدى الحقد الذي يصبونه على أصحاب الكروش والشحم المكتنز؟ كل التعاطف والمواساة لنحفاء العالم العربي.. وأولهم كاتب هذه السطور!!