تهدم المنازل بالعشرات.. فتتشرد الأسر بالعشرات ايضا، وبالتالي يضطر مئات الأفراد بمن في ذلك الاطفال الى اقامة خيم لا تدفع تماما زمهرير الشتاء بأمطاره وتدني برودته في اتجاه الصفر. وعلى خلفية عمليات اغتيال منهجية بناء على قوائم معدة سلفا يشدد الحصار على المدن والقرى.. فلا خروج ولا دخول. وفي هذه الاثناء يبقى رئيس القوم سجينا محاصرا داخل مكتب تحول ايضا، بفعل الاضطرار الى منزل. ان اسرائيل تشن حربا على الفلسطينيين أجمعين دون استثناء أو تفرقة بين مدنيين وناشطي مقاومة وقادة حكوميين، فهل يدرك الرئيس عرفات ان حالة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي دخلت مرحلة جديدة لم تعرف من قبل وان هذه النقلة نوعية مما يتطلب حتميا إحداث تغيير جذري وشامل في الاستراتيجية الفلسطينية التقليدية للتعامل مع الدولة اليهودية؟ أرييل شارون ليس مجنونا، والسياسة التي ينتهجها ليست مجرد نزوة شخصانية فردية، إنه ببساطة تجسيد حي لاجماع اسرائيلي تبلور بين تياري اليمين واليسار يقضي بقناعة نهائية بأن المنهج الأوحد لضمان الأمن الداخلي والخارجي لاسرائيل الى الأبد هو اعتماد القوة الغاشمة لتدجين الشعب الفلسطيني بصورة نهائية. لقد ولّى الى غير رجعة أسلوب التفاوض.. صار في ذمة التاريخ. لكن مدى اقتناع الرئيس عرفات بهذه الحقيقة الثابتة ليس واضحا.. فهل تتكفل الأحداث باقناعه؟ إن ما وقع من أحداث وتطورات خلال الأسابيع القلائل الأخيرة جدير بتأمل عميق من الزعيم الفلسطيني الرمز. عند حلول عيد الفطر الفائت ألقى عرفات خطابا «تاريخياً» أعلن فيه على اسرائيل والولايات المتحدة والعالم اصدار أمر حازم وصريح كاد يدمغ فيه النضال الفلسطيني بالارهاب، أو هكذا بدا الأمر على الأقل. فبقدر ما كان هذا القرار الجلل موجهاً الى «المجتمع الدولي»، وتحديدا الى جورج بوش وأرييل شارون، بقدر ما كان موجها الى قيادات المقاومة الفلسطينية المسلحة.. مما اعتبر بحق تجاوبا مع التصنيف الامريكي والاسرائيلي لفصائل المقاومة كمنظمات ارهابية. لقد اتبع عرفات القول بالفعل، فقد كان قراره الكبير بحظر العمل المسلح ضد اسرائيل ايذاناً بحملات متصلة ضد قادة وعناصر فصائل المقاومة، كانت في حدها الأدنى عمليات اعتقال وفي حدها الأعلى اشتباكات بالرصاص الحي. رغم ذلك، ومن أجل تفادي اشتعال حرب أهلية جنح قادة المقاومة الى السلم. وبعد تفاهم مع السلطة الوطنية قرروا طوعا وقف العمليات المسلحة في انتظار مكافأة «المجتمع الدولي» للرئيس عرفات.. فماذا كانت النتيجة؟ خلال فترة الهدوء التي امتدت لما يقارب اسبوعين جاءت «المكافأة» من اسرائيل على النحو التالي حسب الترتيب الزمني: ـ هجوم جوي كاسح على منشآت السلطة الفلسطينية ترافق معه هجوم بري. ـ هجوم لاحق بالجرافات ترافقها دبابات أسفر عن هدم عشرات المنازل ،وبالتالي تشريد عشرات الأسر. ـ إعلان صارخ من أرييل شارون بأن عرفات سوف يبقى رهن الاحتجاز لسنين (ما لم يعتقل قتلة وزير السياحة الاسرائيلي). ـ اغتيال أحد ناشطي «فتح» ايذانا باستئناف العمل بمنهج الاغتيالات وفق قوائم معدة. وجرى كل ذلك بمباركة أمريكية بلغت حد الصفاقة. فقد اعتبر كولن باول العمليات الاسرائيلية لهدم منازل المدنيين من قبيل «الدفاع عن النفس». وربما كان من المبكر ان يقال ان العهد الاسرائيلي الجديد تجاوز العهد العرفاتي التقليدي، لكن مما لم يعد محل شك هو ان الظرف يتطلب بالحاح بلورة اجماع فلسطيني جديد على أساس برنامج استراتيجي شامل للنضال يشارك في رسمه قادة السلطة الوطنية جنبا الى جنب ـ وعلى قدم المساواة الوطنية ـ مع قادة المقاومة الشعبية. فاسرائيل الآن باتت تطلب رؤوس الجميع: شعبا ومقاومة ورئيساً.