«اللحظات الحرجة» هو العنوان الاكثر دلالة على الواقع الفلسطيني، ليس الآن فقط بل في كل المراحل التي عاشتها القضية الفلسطينية، ولكن لهذه المرحلة خصوصية تتجلى بتسارع الاحداث سواء الاقليمية منها او الدولية، والواضح للعيان ان الكيان الصهيوني يحاول في هذه المرحلة ان يستغل احراجها، سواء على المستوى الصراعي الذي يعتبر محركا للحدث او على المستوى العالمي الذي بدأ يستفيد من حرب الولايات المتحدة ضد ما تسميه الارهاب. فقد اصبحت الدعوة لمكافحة الارهاب هي دعوة لتصفية الحسابات القديمة حتى بين الدول، واشد ما تنجلي هذه المقولة في طريقة الارهاب الصهيوني الجديد الذي يقوده ارييل شارون عمليا في الاراضي الفلسطينية امام انظار العالم مرتديا ثوب الحمل الذي يغطي جسده، وروحه تعيش في الذئب حيث بات لا يشعر بلذة الحياة دون الدماء التي يغرق فيها بنشوة المنتصر على اجساد المدنيين الفلسطينيين، وهو بهذا الواقع يؤكد من جديد ان الوضع الراهن ما هو إلا عملية ثأرية قديمة يمارسها كي يقف على مصالحه السياسية الداخلية الخاصة ليبقى فيها ايضا المنتصر الأول. ان طريق السلام الذي يريده شارون هو طريق خارج عن اطار المعرفة التاريخية التي حركها الانسان على مدى تاريخ البشرية، واذا كانت القضية الفلسطينية لها مجالها الخاص في حركة الصراع فإن هذا المجال بات الآن ضمن المحركات العالمية وليس الاقليمية فقط مما يضعنا امام تساؤل عن ماهية المعرفة الشارونية وابعادها السياسية، فماذا يريد هذا الرجل تحديداً من السلام الذي ينتحر على العتبة الشارونية المليئة بالدماء وامام مشهد كهذا فإنه لا يتوانى عن لفظ هذه المفردة بل يأخذ في تكرارها دون خجل بل لعله في المراحل الاخيرة بات يردد رؤيته لسلامه كما يشتهي دون اقامة اي وزن لاي اتفاق او معاهدة او شرعية دولية وبالطبع فالعالم مغيب او غائب عن هذه التصورات. بعيداً عن السلام وشارون يجاهر بسلامه هذا حين يوضح رؤيته بالقول: «في كل الاحوال القدس لن تكون موضوعاً للمفاوضات والحرم سيبقى تحت السيادة الاسرائيلية الى الابد، وستحدد مناطق امنية واسعة تضم غور الاردن ومنطقة التماس.. ولن يعود اي لا جيء فلسطيني ولن يكون هناك تذاكيا في هذا الموضوع.. وفي النهاية ستقام دولة فلسطينية. وقبل الدخول في الرؤية الشارونية لهذه الدولة، هل من المعقول ان العقل البشري يمكن ان يتخيل ان الانتفاضة الفلسطينية التي قدمت الاف الشهداء والجرحى قامت من اجل هذه الرؤية؟! بل هل يتصور اي عارف بسيط بالشأن الفلسطيني ان مسيرة الصراع ستنتهي بهذه النهاية الشارونية؟! ان الواقع الذي يريد ان يفرضه رئيس الحكومة الاسرائيلية ما هو إلا ضرب من صراعه الدموي الداخلي الذي تناسى تماما كل القرارات الدولية وهو بذلك يسعى الى تقويض اية فرصة للسلام على رؤيته الخاصة بل انه بات يرى الدولة الفلسطينية مجرد تابع سياسي واقتصادي للكيان الصهيوني شكلها كما قال هو: «دولة فلسطينية مجردة من الاسلحة وبدون علاقات مع اعداء اسرائيل» بل لعله تطرف اكثر من ذلك في وصفه لهذه الدولة بالقول: «وبسيادة جدية اسرائيلية ستقام في نهاية المطاف» اذا شارون اراد اولا ان تكون الدولة برؤيته تحت السيادة الاسرائيلية، وثانيا لا تحقق اكثر من اربعين في المئة من الاراضي اي ان الوضع القائم حاليا يعتبر افضل بكثير من اركان الدولة الفلسطينية حسب الوعد الشاروني اضافة الى ذلك فإن شارون الذي يعد ويتوعد بالمزيد من الدماء يمارس على الارض في الوقت الحاضر سياسة خاصة اركانها الحصار والتدمير لكي يفرض على السلطة الفلسطينية املاءاته، وهو لم يكتف بما تفعل بل يطالبها بشكل دائم ان تردع القوى المسلحة في الشارع الفلسطيني وهذا المطلب انما يدل بشكل مباشر على لعبة سياسية يقودها الجهاز الاعلامي الصهيوني لكي يجعل من السلطة والشعب الفلسطيني كلا واحدا، وهذا الكل بالتأكيد ليس لدلالة التوافق بل هو الكل المتهم بالارهاب لذلك فإننا نراه باستمرار يحاول الشروع بتطبيق نظريته على ارض الواقع حيث بدأ منذ تسلمه رئاسة الوزراء بتفكيك البنية التحتية في الاراضي الفلسطينية وقام بضرب معظم اساسات السلطة الفلسطينية خاصة فيما يتعلق بالمقار الرسمية ناهيك عن الممارسات العدوانية اليومية. ومن الامثلة الكثيرة فقد قامت حكومة شارون بعزل المناطق الفلسطينية عن بعضها فجعلت الضفة الغربية اكثر من ستين منطقة متقطعة الاوصال وقسمت قطاع غزة الى اربع مناطق اضافة الى الفصل القائم بين الضفة والقطاع ويحاول شارون مع حكومته الاصرار على المضي في بناء المستوطنات رغم ان تقرير ميتشيل ووثيقة تينت طالبتا بوقف الاستيطان للمباشرة بحوار سياسي ولكنه كشف مؤخرا عن مشروع استيطاني جديد في البلدة القديمة بالقدس وتحديدا في منطقة برج اللقلق ويدير هذا المشروع جماعة «عطرات كوهنيم» بدعم من وزير السياحة الجديد في حكومة الاحتلال «بني ايلون» وهو وزير من حزب الاتحاد الوطني المتطرف. ان شارون الذي يمارس افكاره الخاصة يأخذه الامر الى ابعد من ذلك فعلى المستوى الشخصي يبدو انه يملك ثأراً شخصياً مع الفلسطينيين وبالطبع فالثأر موجود في الكيان الصهيوني ولكن طبيعة العلاقة الدموية بين شارون والاجرام اخذت مدلولات جيدة في المرحلة الاخيرة خاصة بعد ان تحقق حلمه في رئاسة الوزراء فمن الواضح انه يسعى للعمل على الانتظار ومهما كانت مدة هذا الانتظار فالوقت كما يراه شارون من اهم محددات مخططه خاصة اذا استطاع ان يؤثر اكثر على الرأي العام العالمي، وهذا ما سعى اليه بالطبع من خلال الاتهامات المتكررة للسلطة الفلسطينية بالعجز والارهاب في ان معا وتجلى ذلك بسيناريو سفينة الاسلحة التي باتت لعبة مكشوفة في الكيان الصهيوني ذاته، وبالطبع فإنه يرمي من خلالها الترويج لمخططاته وتندرج في هذا الجانب اشكالية العلاقة مع السلطة الفلسطينية التي يريد شارون من خلالها تدمير السلطة بأية وسيلة والعمل مع الجيل القادم رغم ان بعض الوزراء في حكومته لا يرغبون بذلك ليس محبة بالسلطة بل يتخوفون من الجيل القادم الذي مازال مجهولا وبطبيعة الحال فإن هذه الاشكال الصراعية تنتقل بشكل آلي الى داخل الكيان الصهيوني لان لهذا الداخل حساباته ايضا. من يحكم الواقع الذي يعيشه شارون ضمن الظروف الحالية لحكومته التي يسميها ائتلافية تأخذ يوما بعد يوم مراحل متقدمة في حكمها لتوضح اساسيات هذه الحكومة وطبيعتها والتي من خلالها يتصرف شارون اضافة الى نفسيته القابعة في انفاق الارهاب، فشارون يطالب السلطة الفلسطينية بالمزيد من الضغط والاعتقالات بحق كوادر حماس والجهاد والجبهة الشعبية وكل نشطاء الانتفاضة حتى السياسيين منهم ومطالبته هذه تكمن في خوفه من مرحلة الهدوء واسبوعه المقدس!! وقد عبرت عن ذلك صحيفة «هآرتس» بالقول «ان حكومة شارون ليست مبنية للتعامل مع الهدوء، انها تخاف منه لانه ليست لديها اية فكرة عما تفعله في الهدوء» لذلك لاحظنا كيف اختلق مسرحية سفينة الاسلحة قبل وصول الجنرال الامريكي المتقاعد انتوني زيني وكل ذلك ليثبت تخوف حكومته من السلطة الفلسطينية وعناصر المقاومة. ومن الطرف الآخر وتحديداً في اطار الصراع الصهيوني الداخلي نجد ان شارون يدير لعبته بالطريقة التي يتمنى سواء داخل اليسار او في اعلى درجات تطرف اليمين، في حكومته المتطرفة بكل تياراتها على حد سواء وان كان بعضها في اليسار ككتلة حزب العمل ومنهم بالطبع وزير الخارجية شيمون بيريز ووزير حربهم بنيامين بن اليعازر الذي تسلم قيادة الحزب حسب المقياس التطرفي وكمية الاغتيالات التي قادها والعمليات العسكرية ضد المدنيين الفلسطينيين، ولا ننسى بالطبع بيريز صاحب مجزرة قانا، ومع هذا الكم من التطرف الشاروني فقد احاط نفسه بقائمة طويلة من العسكريين سواء داخل الحكومة او خارجها حتى ظهر ما يسمى داخل الكيان الصهيوني مصطلح جديد وهو «عسكرة التقدير القومي» فقد صار القرار السياسي يرتبط مباشرة بالعسكر الذين يتواجدون في كل الاجتماعات السياسية ومنهم رئيس الاركان ونائبه ورئيس الاستخبارات ورئيس التخطيط ورئيس شعبة العمليات ورئيس وحدة الابحاث ومنسق الانشطة الاسرائيلية ورئيس الشاباك وبالطبع يحضرون الاجتماعات السياسية مع نوابهم حتى في الكنيست وهذا ما ذكرته صحيفة «معاريف» العبرية مما دعا «آفي غيل» وهو مدير عام وزارة الخارجية الاسرائيلية للقول: «انه ليس بالوضع الصحي ان يغدو اصحاب الزي العسكري المسئولين شبه الوحيدين عن تحليل وتوضيح سلوك جيراننا واعدائنا لقادة الدولة، فليس هناك شيء يجعل من الجندي صاحب قدرة على تقدير الموقف القومي اكثر من السياسي والدبلوماسي او المحلل في وزارة الخارجية». وبات مؤكدا ان هذه الاحاطة بالعسكر ليست سوى غطاء يخدم هدفين الاول اقناع الحكومة بالعمليات الاجرامية التي يرتكبها شارون وتمرير اي قرار بشأنها، والثاني اظهار ولائه لليمين المتطرف عموما ولحزب الليكود بشكل خاص وفي هذا الوقت بالذات الذي يبشر بعودة بنيامين نتانياهو الى زعامة الحزب، وهذا القلق على مستقبل شارون السياسي بات مؤكدا بل لعل شارون بات يدركه خاصة بعد طرحه لمشروع سياسي داخلي يتم بموجبه تقاسم السلطة بين الاثنين، وتتجلى خطته بأن يرشح شارون نفسه بالدرجة الاولى في الانتخابات المقبلة ليضمن الفوز برئاسة الحكومة. ـ كاتب فلسطيني