في نوفمبر من العام الحالي الذي مازال وليدا لم تنصرم منه سوى أيام قليلة تدخل إدارة الرئيس جورج دبليو بوش رحلة منتصف العمر كما قد نسميها حيث يصادف هذا الموعد إجراء انتخابات التجديد النصفي للمؤسسة التشريعية الأمريكية - الكونجرس. وفي هذا أن حقبة بوش ستعاود طرح نفسها على جماهير الناخبين في الولايات المتحدة بما تعنيه هذه العملية من طرح كشف حسابها بالإيجابيات والسلبيات على قرار هؤلاء الناخبين لكي يختاروا بين الحزبين الكبيرين الجمهوري الحاكم أو الديمقراطي المعارض ومن ثم تتحدد نوعية أو هوية النواب ـ الشيوخ الذين يبعث بهم الناخبون إلى مجلس البرلمان. النظرة السطحية الأولى قد تقول بأن أمام إدارة بوش فرصا سانحة وكبيرة لكي يؤكد أمام الناخبين نجاحاته أو مواهبه القيادية وخاصة تلك التي ظهرت بعد وخلال أزمة الحادي عشر من سبتمبر والتي كان لابد وأن تعمد الميديا الموالية للرئيس وإدارته الى تضخيمها وصقلها وتشذيب أبعادها في عيون الناس. مآثر جورج دبليو بمعنى آخر قد تفيد هذه النظرة المتسرعة إلى الأمور بأن جماهير الناخبين الأمريكيين سوف تنحاز إلى الرئيس وحزب الرئيس من منطلق إعجابها بما تبدى خلال الخريف الماضي والشتاء الحالي وربما خلال الربيع والصيف المقبلين من مآثر إدارة جورج دبليو بوش. مع ذلك فتلك نظرة سطحية ومتسرعة كما أسميناها ، وربما كما يسميها الرصد الذي نحيل إليه في هذا السلسلة من المقالات وقد نشرته مجلة الأيكونومست البريطانية في الدراسة الخاصة التي نشرتها مع مطالع هذا العام الجديد بعنوانها الشهير. العالم سنة 2002 الكاتب جون مكلثوات يقول في هذا الخصوص أن الذي سيحدد رأي الناخبين في نوفمبر المقبل لن يكون القضايا الدولية ولا مسائل العلاقات الخارجية ولكنه سيكون أساسا هو القضايا الداخلية والمشاكل المحلية في رأي الكاتب المذكور وعلى وجه التحديد ما يلي: الاقتصاد والتعليم والرعاية الصحية، قد نقول أن تلك أمور بديهية باعتبارها داخلة في بؤرة اهتمام الناس بالدرجة الأولى. نرجسية السياسة الأمريكية وقد نقول أن الأمريكان بحكم التكوين والنظرة إلى الذات قوم يتصفون بنوع من نرجسية التوجه بمعنى أن لديهم قدرا من تضخم التركيز على الذات وهو تضخم تعمل به أجهزة الميديا الأمريكية والرسائل الاتصالية التي تبثها إلى ملايين المستقبلين ناهيك ـ كما لا يخفى عليك ـ الصور المنطبعة والقوالب النمطية التي مابرحت تقدمها هوليوود ـ سينما وتليفزيون ـ عن الأمريكي ، السوبر ـ مان الذي كان محرر أوروبا من طغيان النازي وكان زعيم المعسكر الغربي ، الرأسمالي المعسكر الحر كما عمدوا إلى تسميته ضد المعسكر الشيوعي خلال حقبة الحرب الباردة التي استطالت حتى عقد التسعينيات ثم ها هو السوبر ـ مان الأمريكي وبرغم دوافعه الداخلية المحضة يصور نفسه محاربا ضد الإرهاب وربما نائبا عن شعوب العالم في التصدي للإرهاب وفي الوقت نفسه فالسوبر ـ مان إياه يصور نفسه في اهاب المحارب ـ الإنسان قذائفه في أفغانستان لم تكن حمما وقنابل ودانات مدفعية فقط بل كانت حزما متكاملة تجمع بين وابل الطلقات وطرود الأغذية وتقرن ما بين القنبلة والساندوتش. إن الرئيس الأمريكي سوف يقرر خلال أشهر العام الجديد أمر ولايته الثانية التي يطمح ولاشك إلى الفوز بها ومن شأن اتخاذ هذا القرار أن يستنير ولاشك بعبرة التاريخ القريب على أقل تقدير. الإنجاز الخارجي لا يكفي ولأن الناخب في الغرب بعامة ـ أوروبا وأمريكا مدرب سياسيا ، ولأنه أيضا يتمتع بمساحة واسعة في الاختيار ـ فإن مثل هذه الدروس المستفادة تقول ببساطة: ان الإنجاز في معمعة السياسة لا يكفي لنجاح هذا المرشح أو ذاك ولا يعوض الناس عن إصلاحات الاقتصاد وانتشاله من ربقة الكساد أو الركود. اقتصاد أمريكا يعاني حالة ركود أو تباطؤ في النمو وقد دخل في طور انكماش أو تراجع منذ مارس من العام الماضي وتلك علامات تنذر بالخطر لأمريكا أولا وللعالم ثانيا بحكم ظاهرة العولمة التي باتت تهدد بأخطار انتقال عدوى الكساد أو الركود إلى اقتصادات أخرى منها الضعيف ومنها المنكشف ومنها الهش الذي قد لا تصمد بنيته وهياكله أمام الأنواء العاصفة من خارج الحدود. ألا ترى إلى ونستون تشرشل زعيم بريطانيا الشهير وقد دخل انتخابات ما بعد الحرب العالمية الثانية في صورة بطل الانتصار في تلك الحرب على أدولف هتلر ولم تشفع له بطولته بل سقط أمام خصمه العمالي كليمنت أتلي الذي لم يكن بطلا شعبيا ولا فاز في الصراع الدولي ـ بل كان زعيما وعد الناس بالخبز والزبدة وعيادات التأمين الصحي الخ؟ ألا ترى إلى جورج بوش ـ الاب وقد خاض الانتخابات طمعا في ولاية رئاسية ثانية ومن خلفه سجل الفوز في حرب الخليج ـ تحرير الكويت ولكن هذا الإنجاز العسكري ـ الخارجي لم يشفع له بل فاز خصمه الشاب ويليام جيفرسون كلينتون ولم يكن يومئذ شيئا مذكورا بل كان حاكما لولاية اركنسو الريفية الصغيرة تحوطه شبهات من سوء السلوك ولكن كان قصاراه أن أحس يومها بمشاكل الناس وأعلن رؤيته في إصلاح الاقتصاد وأطلق وعوده في تقويم أمر المجالات الرئيسية الثلاثة التي تهم أهل الحواضر والأرياف في أمريكا وهي: بدورها: الاقتصاد «فرص العمل بالذات» والتعليم وسط منافسة تعليمية ضارية وخاصة في مجالات علوم المستقبل وفي مقدمتها الرياضيات والفيزياء والتخصصات الإليكترونية ومن بعدها مجال الرعاية والتأمينات الصحية. متغيرات سبتمبرية ليس صدفة أن ترصد الإيكونومست نفس المجالات الثلاثة لتشكل تحديات المستقبل أمام الإدارة الحالية في البيت الأمريكي الأبيض. ولكن رغم هذا كله فإن مراصد الأيكونومست توضح للقارئ المتابع أن مرحلة ما بعد 11 سبتمبر جاءت بمتغيرات لا سبيل إلى انكارها وهي متغيرات من شأنها أن تضيف نوعيا وبالطبع كميا إلى هذه المحاور من اهتمامات الزعامة الأمريكية. ثم أن هذه المتغيرات ـ الإضافات هي التي تحوز اهتمامنا نحن الذين نراقب المشهد السياسي الأمريكي لا من منطلق الهيام بما يجري في واشنطن ولكن من منظور همومنا في العالم الثالث بعامة وطبعا العالم العربي بشكل خاص. هذه المتغيرات تتمثل ببساطة فيما أسمته وتسميه الزعامة الأمريكية بعبارة واحدة تقول ـ الحرب المطولة والممتدة ضد الإرهاب والعبارة منسوبة ـ بشكل أو بآخر إلى الرئيس جورج دبليو بوش واستخدام مصطلحي التطويل والامتداد يقصد إلى تنبيه الأمريكيين ـ هل نقول إلى انذارهم ـ بأن الحرب التي بدأتها واشنطن على أرض أفغانستان من شأنها أن تستمر ـ بصور وأساليب شتى ـ عبر الزمان وعبر المكان. عام السياسة الخارجية من هنا تدل الاتجاهات المستقبلية على أن العام الحالي سوف يشهد أهمية غير مسبوقة لعنصر السياسة الخارجية في تشكيل مجريات الأمور وفي صياغة صنع القرار في أمريكا ـ غير مسبوقة على الأقل منذ أيام حرب فيتنام على امتداد عقد الستينيات من القرن الماضي. انقضى إذن عهد الاستنامة إلى أن كل شئ هادئ في الركن الآخر من العالم ذلك هو عقد التسعينيات الماضية ولاية بيل كلينتون، ولا سبيل الى وصفه إلا أنه رجل محظوظ ولا سبيل إلى وصفها حسبما يشير استطلاع الأيكونومست سوى إنها أصبحت بمثابة حقبة تنتمي إلى عصر ذهني انقضى أوانه! تغيير 180 درجة ولقد جاءت قارعة 11 سبتمبر كما نصفها لتغير مسارات السياسة الخارجية الأمريكية ربما بمقدار 180 درجة. فالتحليل الذي سبقنا إلى طرحه في هذا المكان منذ مطالع العام الماضي كان ينعي على الإدارة الأمريكية المستجدة خطوط العزلة التي رسموها لها في المانيفستو السياسي الذي وضعته أو أشرفت على وضعه الدكتورة كوندروليزا رايس التي تولت من بعد منصب المستشار الرئاسي للأمن القومي ولقد نشهد لاستاذة العلوم السياسية أن وضعت ضمن أجندة الرئيس بوش ـ الابن بندا ركزت فيه على ما وصفته بأنه الحرب ضد الإرهاب ـ إلا أن هذا البند وغيره من ركائز السياسة الأمريكية الخارجية جاء على حساب تعاطي أمريكا وتفاعلها مع قضايا أخرى خطيرة تمس المصالح الحيوية لأمم في العالم وشعوب وفي مقدمتهم مصالح شعبنا العربي في فلسطين الواقع بداهة تحت نير احتلال عسكري عنصري غاشم. ولأن البروفيسور رايس متخصصة في الشأن الروسي ـ السوفييتي فقد كان انحلال الإتحاد السوفييتي وزوال ذلك العدو الذي كان كامنا مترصدا في الشرق الأوروبي، كان ذلك في نظرها مدعاة لأن تعزل أمريكا نفسها عن قضايا عالمها ومشاكل عصرها وقد تركز على أمريكا الجنوبية باعتبارها فناءها الخلفي. هذا التحليل ما لبث أن تأكدت مصداقيته حتى الساعات القليلة التي سبقت أحداث المركز التجاري في نيويورك ومبنى البنتاجون في واشنطن. فإذا قالت تايم ولم يكن صدفة أن صدرت مجلة تايم الأمريكية يوم 10 سبتمبر تحديدا وقد نشرت على صدر غلافها صورة للجنرال كولن باول المسئول الأول عن السياسة الخارجية للولايات المتحدة وتحت الصورة عبارة دالة يجسدها سؤال يقول: كولن باول أين ذهبت ؟ يعلق على السؤال الكاتب جون مكلثوات قائلا: في اليوم التالي تغيرت الدنيا ، ومنذ ذلك الحين ما برح وزير خارجية أمريكا منهمكا في إجراء سلسلة من بناء التحالفات وأقربها أو أهمها أن مدت أمريكا أيديها إلى قوى كبرى مثل روسيا والصين بل وأظهرت اهتماما جديدا بمحاولة حل مشكلة قديمة مثل فلسطين وكشمير. تحفظات بغير حصر وبديهي أن لنا ـ من وجهة نظرنا ـ تحفظات بغير حصر على هذا الاهتمام الأمريكي الجديد بقضايا مثل فلسطين أو كشمير حيث ينضح الموقف الأمريكي في قضية فلسطين بتحيز واضح لصالح الاحتلال الصهيوني وحيث يصدر الموقف الامريكي تجاه كشمير عن مصلحة التوازنات الإقليمية التي تبغي أمريكا اقامتها لصالح أوضاعها العسكرية الراهنة في أفغانستان وشبه القارة الهندية ، قبل أن يصدر موقف واشنطن عن رغبة أصيلة في إقرار حق تقرير المصير لشعب كشمير. مع ذلك فنحن نتفق مع القول بأن على أمريكا أن تواصل تعاطيها وتفاعلها مع قضايا العالم الخارجي ومشاكله وربما نزيد قائلين أن مصالح الأمن القومي ـ الداخلي في أمريكا لا يصونها ولا يؤكدها سوى بذل المزيد من الجهود الموضوعية والمنصفة من أجل أن تسود مبادئ العدل والحق تقرير المصير وحريات الشعوب واستقلالها الوطني فضلا عن إقرار خطط برامج مكافحة الفقر والتعاون الاقتصادي ودعم جهود التنمية على صعيد العالم النامي وتصفية رواسب تركة الاستعمار في العالم الثالث. وعند محللي المستقبل ـ كما تقول المطبوعة المخصصة الصادرة عن الأيكونومست ـ فإن المسألة ليست تطوعا ولا مبادرات خيرية تتفضل بها أمريكا على العالم الذي تعيش فيه . المسألة تتصل في الأساس بتحقيق وصيانة المصالح القومية الحيوية للولايات المتحدة ذاتها وعلى سبيل المثال ، فإن حرب أمريكا ضد الإرهاب لا يمكن أن تحقق ثمارا بغير أن تستمر على المستوى الدولي جهود من أجل بناء تحالفات ومن أجل مواصلة التفاعل مع قضايا الأمم ومصالح الشعوب. من ناحية أخرى أن العمل على التوصل لحلول عملية وناجحة أو معقولة للمشاكل المزمنة كالقضية الفلسطينية مثلا معناه القضاء على بعض جذور السخط والرفض وربما البغض الموجه نحو أمريكا وسياساتها وخياراتها وتحيزاتها ولكم جهدت أمريكا عبر أكثر من نصف قرن في أن ترسم لنفسها صورة القوة العالمية التي ترفع شعارات الحرية والمبادرة الفردية والتعاون الاقتصادي من أجل الرخاء الخ. ولن يصدقها أحد إذا ما ظلت تكيل بمكيالين بل وتختار تحيزاتها بما يتعارض مع كل هذه المبادئ والشعارات أو إذا ما ظلت تطرح أفكارا من قبل صراع الحضارات أو الخطر الأخر الذي أسمته يوما بـ عالم الإسلام. وهذا ينقلنا إلى المحور الثالث والأخير من محاور هذه الأحاديث إن شاء الله. ـ كاتب سياسي مصري