غالباً عندما يجري تناول البعض لهذا الملف الشائك والمضني، بل والدامي، يحاول بعضهم تجريد شارون من برنامجه السياسي ليختزله في مقولة الحرب والعدوان، متناسياً أنه جاء محمولاً على حوامل سياسية، فاقت السبعين بالمئة من كتلة الناخبين الإسرائيليين . وهذه الحوامل ارتكزت، إلى تحزبها والتفافها حول شارون، استناداً ليس لبيانه الانتخابي وحسب، بل انتصاراً لبرنامج حزب الليكود السياسي، الذي يعتبر شارون بمنظور الناخب الإسرائيلي خير معبر عنه، والذي يقول بأن دولة الفلسطينيين تقع شرق نهر الأردن، وما عدا ذلك، فهم ـ أعني فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة ـ سكان من تابعية دولة مجاورة سمها ما شئت فلسطين أو الأردن أو دولة شرق النهر فالأمر سيان.لكن بصرف النظر عن البرنامج الليكودي المستند إلى أيديولوجية عنصرية، تقوم على الالغائية وعدم الاعتراف بالآخر،وبمعزل عن التفاؤل والتشاؤم، ثمة سؤال يطرح نفسه مجدداً بقوة الأشياء والأحداث: هل ينجح شارون بما يمثل في تمرير برنامجه على الفلسطينيين ؟ قبل الإجابة على مثل هذا السؤال وغيره من الأسئلة السهلة الممتنعة في أغلب الأحيان،يمكننا القول أنه على الرغم من قوة التدمير التي يمتلكها شارون، والغطاء السياسي والدبلوماسي الموفر له دولياً بسبب الظروف الدولية المختلة، التي تحمل لافتة الإرهاب غير المعنون أو المعرف، هناك جملة من الحقائق لا يمكن إغفالها، هي: أولاً: أن العالم بأسره،بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية الراعية واللاعبة الاساسية في عملية السلام، قد أقرت حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم على جزء من أرضهم المحتلة، استناداً إلى قراري مجلس الأمن 242و338، واعتبار هذين القرارين الأساس الموضوعي الذي يجب أن ترتكز إليهما العملية برمتها، وعلى كل الجبهات. ثانياً: أن المؤسسات الفلسطينية، التي يسعى شارون لتدميرها، قد بنيت خارج الإرادة الإسرائيلية، بل أكثر من ذلك، نتيجة لانتفاضة الشعب الفلسطيني، التي تجاوزت السبع سنوات ونيف، بالتزامن مع التبدلات والتغيرات التي حصلت على المستوى الكوني. أي نتيجة لعاملين الأول ذاتي، خلقه الفلسطينيون بفعل نضالهم الدؤوب، والثاني موضوعي، بفعل الحاجة الدولية من جهة والإقليمية من جهة أخرى لإرساء حالة من الاستقرار والأمن في المنطقة بشكل عام، بما يتناسب والمتطلبات الدولية، بمعزل عما نشهده هذه الأيام من انحياز وتذبذب بالمواقف الأمريكية والأوروبية. ثالثاً: والاهم من كل هذا، أنه رغم التعسف والتدمير اللذن يمرسهما شارون، تدرك مؤسسته المركبة أمنياً وعسكرياً، بأن استحضار التجربة الأفغانية في الضفة وغزة أو بدول الطوق، تعتبر من المستحيلات، لان ممارسة مثل هذه التجربة، ستجر الويلات على اسرائيل،أولاً وأخيراً فإذا كان المحيط الجغرافي يتحمل تدميرا لمدة ثلاثة أشهر، فإسرائيل لا يمكنها تحمل أيام من النزاع الحقيقي القائم على استخدام التكنولوجيا التدميرية، وذلك لسببين أساسيين،الأول: لطبيعة الموقع الجغرافي القلق ؛ثانياً: لطبيعة بنيتها الديموغرافية القائمة على الاستيطان، الذي لا يمكن أن يتوفر إلا بإرساء العامل الأمني. إذاً هذه القضايا وغيرها مجتمعة، اضطرت حزب الليكود، بصرف النظر عما يسمى بالصقورية والحمائمية، لادخال جملة من التعديلات السياسية السلوكية، مع بقاء الإرث النظري في أدبيات هذا الحزب الذي تربى كما أسلفنا على نفي الآخر، وعدم الاعتراف به شريكاً موازياً على أرض الواقع هذه التعديلات التي أدخلت بفعل التبدلات السياسية الكونية، أوصلت الليكود بما فيه شارون إلى نقطة، ألا وهي، استحالة طرد ثلاثة ملايين مواطن فلسطيني يعيشون في الضفة والقطاع عن أرضهم، لذلك نجد شارون لا يزال متعلقاً بمقولاته الوهمية القائلة بديمومة ضرب رموز السيادة الوطنية الفلسطينية وتقويضها، بعد أن أقلع بطبيعة الحال عن مقولة الطرد الذي لا يزال يؤمن بها، لكن واقع الحال فرض عليه هذا التعايش المر ولعل تدمير مطار غزة والاقتحام الدائم لمدينة رفح الموازية للحدود المصرية، ومقار الشرطة الفلسطينية، والميناء وبعض المؤسسات الأخرى الموازية، تعبير عن رفض شارون للسيادة الفلسطينية الكاملة على أراضي الضفة والقطاع، وإبقائها منقوصة السيادة، إلا من الترتيبات الأمنية المشروطة، التي تدفع بتحويل السلطة الفلسطينية إلى مؤسسة أمنية مجوفة، تقوم على حراسة الأمن الإسرائيلي، وتقديم متطلبات الاستقرار الإسرائيلي، بتجاهل ما إذا كانت هذه المتطلبات تخدم الجانب الفلسطيني أم لا . لكن بالعودة إلى ما إذا كان شارون قادراً على فعل ذلك وفرضه على الفلسطينيين، فقد أثبتت تجربة السنوات الماضية، أن بنية المجتمع الفلسطيني، قد تشكلت رغم العامل الاحتلالي القسري الكابح لطموحاته، وأن السيادة الفلسطينية كانت متبلورة أو متشكلة على أرض الواقع، حتى قبل احتلال اسرائيل للأرض في عام 1967، وأن تغييبه أو الانتقاص من سيادته بفعل استخدام القوة وآلة التدمير لا يمكنها أن تغيبه، واستحالة التغييب بحد ذاتها، تعتبر انتكاسة لمشروع شارون وغيره الذي دأب على تنفيذه منذ أكثر من ثلاثة عقود ونيف .وهنا يمكننا التذكير، بأن رموز السيادة المادية يصنعها البشر على الأرض، ووجدت أصلاً لخدمة هؤلاء البشر لتصريف أمورهم الحياتية، على العكس مما نسمع في بعض أجهزة الإعلام، التي بدأت تتجاهل البشر أصحاب الرمز السيادي الأول، باختزالها السيادة ورموزها بمجموعة من الأبنية والطرق المرصوفة وما إلى ذلك. لكن بالمقابل علينا أن لا نتجاهل أن ما يجري على الأرض الفلسطينية، خاصة وأننا ندرك أن ثمة برنامجاً تخريبياً واسعاً يجري إعداده في أروقة وزارة الحرب الإسرائيلية، يتمثل في فتح جبهات جانبية للفت أنظار العالم عما يجري داخل الأراضي الفلسطينية، ولاشغال العرب والفلسطينيين في ذات الوقت بحروب أهلية قد لا تبقي ولا تذر وأن خيار الوطن البديل لا يزال مشروعاً قائماً، بل زادت الحاجة الإسرائيلية إليه أكثر من أي وقت مضى، وأنه يجري العمل من قبل بعض الدوائر الغربية والإسرائيلية، على خلط الأوراق التي من شأنها أن تفتح الطريق ولو جزئياً لتمرير السياسة الإسرائيلية الهادفة إلى دفع الفلسطينيين للهجرة والرحيل عن أرضهم. بوضوح أكثر، يجري العمل على خلط الأوراق الفلسطينية ـ الأردنية، استغلالاً لطبيعة العلاقة التوأمية، من أجل فتح مشكلات جانبية بين أخوة الانتماء، على خلفيات ليس لها ما يبررها سوى تفويت الفرصة على الشعبين الفلسطيني والأردني، وأن المطلوب راهنا من كلا الشعبين، الحفاظ على الهوية الوطنية لكل منهما على حدة، فأردنة الأردن هذه الأيام تعتبر هدفاً وطنياً وقومياً نزيهاً، وفي المقابل فلسطنة الفلسطيني في الحفاظ على هويته، وبقائه متمسكاً بأرضه رغم الصعوبات والمخاطر، قضية كفاحية لا يرقى لها الشك مطلقاً . دون ذلك، وإذا ما سال بعض لعاب حب الانخراط في المشاريع، تحت مبررات وذرائع ايديولوجية وهمية وكاذبة، فسندخل في دوامة الحروب الجانبية، وسنخوض حروب الأعداء بالنيابة. وستذهب فلسطين بكاملها هدية لشارون وغيره من دون منازع. فشرط شارون للنجاح متعلق بمدى قدرتنا على التقاط الأهداف والنوايا، وتفويت الفرصة عليه، في الحفاظ على العلاقة الفلسطينية ـ الفلسطينية أولاً، والفلسطينية ـ العربية ثانياً، وبما يبقي الطرف العربي عوناً لصراع وصمود الفلسطيني على أرضه في مواجهة الاحتلال وبالطريقة الذي يرضاها الفلسطيني، بعيداً عن تعليب الشعارات المرسلة من الخارج، لان أهل مكة أدرى بشعابها. ـ كاتب فلسطيني