الحال الذي وصلت اليه المسألة الفلسطينية اليوم يعتبر نتاجا لعدد من العوامل (المأساوية) اسرائيليا وفلسطينيا وعربيا ودوليا ولا أعتقد أن شارون وحده هو المسئول عن إنهيار ما كان يسمى بالسلام الفلسطيني الاسرائيلي رغم أنه ـ أي شارون ـ عامل مشترك ومؤثر في تشكيل العوامل الأخرى غير الاسرائيلية. إن التنازلات الفلسطينية هي التي قادت الى الوضع الحالي وأفقدت بنسبة كبيرة التحرك السياسي العربي فاعليته الى حد العجز الذي بدوره ساهم أيضا في صنع المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، كما أن سياسة غض الطرف التي تنتهجها الجماعة الدولية جعلت من الصمت على كل ما يحدث في فلسطين من جرائم اسرائيلية سمة أساسية من سمات السلوك الدولي المعاصر!!وكم نتعجب عندما يصف البعض انتفاضة الأقصى المباركة بأنها السبب في التردي الحالي ووصول الوضع الى هذا الحد اللاانساني الذي لم تصادفه القضية الفلسطينية خلال أكثر من نصف قرن برغم أن الانتفاضة كانت وما زالت في تقديري الخيار الأكثر ايجابية في التعامل مع معطيات ما يحدث على الأرض في فلسطين خاصة وأنه لا يوجد على الساحة بديل آخر يمكن أن يردع شارون ويعيد الحقوق الضائعة ويصون الكرامة المهانة!! والسؤال المطروح في سياق البحث هو: كيف وصل الحال الى ما هو عليه الآن والذي وضع كيان الشعب الفلسطيني بين مطرقة شارون وسندان العجز العربي والصمت الدولي؟! عندما عاد إرييل شارون من الظل الى دائرة الضوء كان يمكن للدبلوماسية الجماعية العربية أن تستفيد من نقاط ضعفه التي تأتي في مقدمتها أنه أكثر الساسة الاسرائيليين ـ في موقع السلطة ـ وضوحا في الأهداف والمقاصد فالرجل لم يخف عداءه للعرب وأعلن تصميمه على تصفية الكيان الفلسطيني بكل الطرق والحيلولة دون قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وأعتقد أن تاريخه الدموي شاهد عيان على الجرائم والمذابح التي شارك فيها أو كان بطلها الرئيسي!! وسياسيا تعتبر شخصية شارون من النماذج التي يسهل محاصرتها لعدم تلونها فهو يفتقد الى الحنكة والدبلوماسية ويختلف عن شيمون بيريز مثلا بأن هذا الأخير قادر على أن يخفي عداءه وكراهيته للعرب ويرتدي عباءة تظهر عكس ما يبطن!!وعندما استخدم شارون القوة في زمن من المفترض أن تتراجع فيه هذه الوسيلة كان في إمكان الدبلوماسية العربية أن تفضح جرائمه وتجره رويدا رويدا الى نفس المصير الذي وصل اليه الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش ولكن ما حدث عكس ذلك تماما ترك العرب لشارون الحبل على الغارب كما يقول القول الشائع يفعل ما يريد دون ردع أو مراجعة وأخذ المسئولون عن القرار العربي يجتمعون وينفضون ولم يحدث أن تجاوزت ردة فعلهم في أي مرة مستوى الإدانة اللفظية والأقوال الرافضة لسياسات شارون العدوانية!!وكأن القضية الفلسطينية لا تحتاج إلا لشئ من التضامن العاطفي ويترك بعد ذلك الشعب الفلسطيني وجها لوجه مع شارون يتلذذ في تعذيب وقتل أبناء الأمة ويمتهن كرامة شعب وسلطة محسوبين على البنيان العربي المرصوص!! وبدا واضحا أن التحرك العربي البطيئ أحيانا والمتردد أحيانا أخرى ينتظر حصول تغير مفاجئ في عقلية وسياسة شارون في اتجاه إحياء مسيرة السلام، رغم أن كل الشواهد تشير الى أنه لا يريد سلاما!! منذ أن قام شارون قبل نحو خمسة عشر شهرا باستفزاز مشاعر العرب والمسلمين ودنس الحرم القدسي الشريف في تظاهرة فجرت الانتفاضة الفلسطينية الثانية وهو يمارس كل صور العدوان والارهاب: ـ استخدام أساليب التجويع والحصار والاغلاق لتركيع الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية التي لا حول لها ولا قوة. ـ مارس سياسة الاغتيالات والتصفية الجسدية لرموز المقاومة الفلسطينية. ـ حشد كل ما في ترسانته من عتاد حربي من طائرات إف16 وأباتشي أمريكية الصنع ودبابات ومدافع ثقيلة وصواريخ ووجهها لتدمير الشعب الفلسطيني الأعزل من أي سلاح غير سلاح الصبر والايمان والحجارة التي هي أدوات انتفاضته. ـ فرض أخيرا ما يشبه الاقامة الجبرية على ياسر عرفات في رام الله بعد أن وصلت الدبابات والجنود الاسرائيليون الى بعد أمتار قليلة من مقر الزعيم الفلسطيني ومنعوه ـ في أشد صور الاذلال ـ من مشاركة شعبه في أعياده!! وتبقى الحقيقة التي لا يمكن أن تغيب عن أي مراقب هي أن السلطة الفلسطينية تساهلت كثيرا في تقدير كيفية التعامل مع شارون وربما أعطت مبررا منطقيا لبقية الأطراف العربية كي تتخذ مواقف باهتة تجاه القضية التي يفترض أنها القضية المركزية لكل العرب. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر أنه في اللحظة التي كان يتفق فيها القادة العرب على مجابهة شارون وردعه تضع السلطة الفلسطينية كل ثقتها في الراعي الأمريكي وتفتح حوارا أمنيا مع حكومة شارون سرعان ما ينهيه ويواصل عدوانه وقمعه للانتفاضة. ويصعد من ضرباته الموجعة مع كل عملية استشهادية يعبر بها الشعب الفلسطيني عن غضبه ورفضه للعدوان والاحتلال!! وفي تصوري أن الطرف العربي والفلسطيني على وجه الخصوص أهمل الشعب الاسرائيلي من حساباته الأمر الذي أدى الى سقوطه في شراك شارون الخداعية التي جعلت من السلام الحقيقي مرادفا للأمن رغم أن الاستقرار الأمني هو نتاج للسلام الشامل ولا يمكن أن يكون العكس!! وأثبتت الأحداث أن شارون الذي وعد شعبه بالأمن فشل في ضمان لحظة أمن وهدوء واحدة!! وأصبح الهاجس الأمني هو المسيطر على سلوك الشارع الاسرائيلي الذي بات يتوقع حدوث عملية استشهادية هنا أو هناك بين لحظة وأخرى.وكان من الطبيعي أن يستثمر التحرك العربي والفلسطيني على وجه الخصوص معاناة الاسرائيليين في هذا الشأن ويقوم بتضخيم فشل شارون الأمني سياسيا واعلاميا ويجري مخاطبة الرأي العام الاسرائيلي لاقناعه بأن الأمن لن يتحقق إلا بالسلام العادل والشامل والمرتبط عمليا بقيام دولة فلسطينية ذات سيادة تكون عاصمتها القدس الشرقية. بدل أن يكون ذلك هو الفعل العربي تركوا شارون يقنع شعبه بأن الضمان الوحيد لأمنه المفقود هو تصفية الكيان الفلسطيني!!لاشك أن شارون ما كان يجرؤ على ممارسة عدوانه لولا تيقنه من العجز العربي على ردعه ووقفه عند حده وفي الوقت نفسه لابد أن نؤكد على أنه لو كانت هناك عدالة دولية في عالمنا المعاصر وأمم متحدة مستقلة في قراراتها ما كان شارون يجرؤ أيضا على انتهاج سياساته المتصلبة وارتكاب جرائمه بحق الشعب الفلسطيني.إن العالم اليوم في ظل سياسة القطب الواحد بات خاضعا لارادة قوة واحدة هي الولايات المتحدة تتعامل مع الآخرين من منطق مصالحها ونفوذها فقط دون أي اعتبار لمصالح هؤلاء الآخرين ولعل ما حدث على الساحة الدولية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر يؤكد أنه لا يوجد من يراجع السياسة الأمريكية وأن القرار الدولي هو في الأغلب القرار الأمريكي. ولذلك حاول شارون أن يستفيد من توجهات السياسة الأمريكية في صراعه مع الجانب الفلسطيني فسعى الى عزل القيادة الفلسطينية عن الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش الذي مر عام على توليه السلطة دون أن يلتقي بالرئيس عرفات بعبارة أخرى عمق شارون من الانحياز الأمريكي لاسرائيل وحصل على الضوء الأخضر من الادارة الأمريكية للمضي في سياسة تصفية الكيان الفلسطيني. هذه هي الصورة المحزنة التي وصل اليها حال الشعب الفلسطيني ولكن أشد ما يؤلم أي عربي هو أن يراق الدم العربي بأيد عربية وما يحدث من اقتتال فلسطيني - فلسطيني أحيانا هو في حقيقة الأمر أقصى ما يتمناه شارون لتحدث التصفية الذاتية للشعب الفلسطيني دون الحاجة لمطرقته للاجهاز على القضية الفلسطينية المسجاة على سندان العجز العربي والصمت الدولي!! ـ كاتب مصري