«1» «بوحميد» رجل من ذلك الزمان الغابر الذي ذهب ولم يبق منه إلاّ ذكريات لم تعد عالقة إلا في مخيّلات أمثال بوحميد الذي كلما التقيته يحدثك عن الأمس عن ذلك الزمان الجميل الذي شهده وكأنه لم يشهد أجمل منه! «2» من هو بوحميد انه ليس إلاّ رجلاً لطالما اغبرت قدماه من تراب أرض الامارات التي لطالما لها بين سهولها وعدا على شواطئها وتقافز هو وأقرانه الذين لم يبق منهم كثير على أمواج خليجها الحاني الذي لم يعرف قسوته إلاّ بعد أن اصبح شابا يافعاً حين ذهب مع أبيه لأول مَرّةٍ إلى الغوص ليس صبياً «تبابا» يساعد الغاصة والبحارة في أعمالهم لكنه هذه المرّة ذهب غواصاً مطلوباً منه أن يقذف بنفسه في أعماق الخليج ليس تسلية بل غوصا على ذلك اللؤلؤ في أعماق البحر ذلك المخزون في بطون المحار، كانت تلك تجربة قاسية على ذلك الشاب اليافع لكنها صنعت منه رجلا تعلم شيئاً لا يعرفه أبناء هذا الزمان عرف طعم الحياة الحقيقية، عرف طعم الرزق «المتعوب عليه» الرزق الذي لا يأتي «بالهيّن» بل يأتي بالصعب القاسي. لذلك كان أبناء ذلك الزمان رجالا وكان من أتى بعدهم ممن تربّوا على أيديهم رجالا. وانها لحقيقة أنه لا يمكن أن تصنع جبلا من حرير كما لا يمكنك أن تصنع رجلاً من فتى لم يعرف طعم العيش المرير. «3» باختصار ان «بوحميد» عاش حياته في الماء أكثر مما عاشها في اليابسة لأن يوما في البحر يعادل الف يوم على اليابسة، يكفيك من ذلك أنك على الماء تعيش على حافة الغرق حتى وان كنت أمهر السباحين وأقدر الغواصين لأنك لا تعلم متى يهيج هذا الساكن الراكد الذي أسلمته نفسك على لوح من خشب، ذلك اللوح الذي مهما كان ضخماً ومهما سميته من أسماء السفن العظيمة إلاّ أنها تبقى خشبة في البحر، لذلك فإن من التسميات الدارجة للسفينة مهما كان نوعها وحجمها عند أهل الخليج «الخشبة» وجمعها «خشب» لذلك قال أحد شعرائنا وقد أزف الرحيل إلى البحر في بطن سفينة ساعية في البحر من الخشب وهو شاعرنا خلفان بن يدعوه متحسرا: يا حسرتي ضاق الفضا بي يوم أبعدوا بي عن حبيبي في خنِ ساعي ـ م ـ الخشابي سلكٍ ومجراه المغيبِ «4» كذلك كان «بوحميد» رجلا صنعته الأيام و«دَبَغ» جلده وإهابه بل وروحه البحر فعاش طول حياته رجلا لا يأكل إلاّ من عمل يده، رجلا لا يهاب شيئاً غير خالقه، رجلا لا يعرف الجلوس وغيره يعمل، وكل ذلك أشياء علمه إياها البحر ذلك البحر المعلم الذي أمام سعته تعرف سعة ملك الخالق ومن غضبه تعرف رحمة الخالق ومن قسوته تتعلم الرحمة، انه المعلم الذي يعلمك أن الرجولة ان تستخرج رزقك من بطن المهالك وأن أجلك لن يأتيك حتى وإن كنت في بطن خشبةٍ ساعيةٍ فوق الماء؟ «5» من كل ذلك تخرج بوحميد رجلا له صلابة الماء ورقته وله سعة الحكمة التي تعلمها من البحر ذلك الشيخ الحكيم الصامت الذي لا تسمع له إلاّ صوتين، صوت هامس رقيق عند الرضا وصوت هادر غاضب عند الغضب وأنت في الأمرين متعلم منهما الحكمة الآتية من الرضا الهادي المتأمل والصبر على غضب الحياة وتقلباتها. هذا وللحديث بقية