أليس من المؤسف (والمفزع أيضا) أن الحق والحقيقة يصدع بهما اصحاب اقلام غربيون لا أصحاب أقلام عرب ومسلمون.. أو من المفترض انهم مسلمون؟ هذا هو الشعور الذي يستبد بذهني وقلبي كلما طالعت في «اندبندنت» البريطانية مقالة بقلم روبرت فيسك أو في «نيويورك تايمز» بقلم وليام بفاف أو في «واشنطن بوست» بقلم هنري سيجمان.. ثلاثتهم متخصصون في الشئون العربية والاسلامية. واذا وصفنا هؤلاء الكتاب الصحفيين الثلاثة بأنهم متعاطفون مع العرب والمسلمين ابتداء فإنه لن يكون الا وصفا غير دقيق. هم بكل بساطة مفكرون موضوعيون ذوو عقول متحررة من الرغبة والرهبة، فيقبل كل منهم على أي قضية بذهنية وحيادية انصافية. وتلتفت شرقا لترى في العالم الاسلامي كتاباً ينطلقون من تبني الرؤية الامريكية للعالم، الموجهة ضد شعوبهم وحقوقهم عن سابق ترصد.. فلا تطالع الا افكارا تبريرية صيغت بعبارات اعتذارية.. فلا يسعك الا ان تتعجب وتتساءل: هل فيسك وبفاف وسيجمان ملكيون أكثر من الملك؟ أم ان اصحاب الاقلام عندنا في العالم العربي والاسلامي عباقرة بحيث يتعذر علينا نحن معشر القراء البسطاء استيعاب ما يسطرون من حكم؟ في مقالة بعنوان «الارهاب وفق الرؤية الامريكية» يدعونا وليام بفاف الى التوقف لننظر ما يجري في انحاء العالم من خرق لحقوق الجماعات والافراد باسم مكافحة الارهاب اقتداء بالمسلك الامريكي بعد أحداث سبتمبر. يستهل بفاف مقالته بالعبارة الآتية: «لقد قامت حكومات بتوسيع الحرب ضد الارهاب بناء على توصيف الحكام الذاتي لخصومهم السياسيين من أجل تصنيفهم كارهابيين. وهي مهمة في غاية السهولة لأن تعريف واشنطن للارهاب عشوائي ومطاط، فهو لا يتجاوز كل فعل يقوم به أشخاص سيئون». ويضرب الكاتب مثالا: «بناء على التعريف العشوائي المطاط تنطبق صفة الارهاب على الثوار الانفصاليين في كشمير والنشطاء الباكستانيين داخل باكستان». باختصار، أتاح مناخ ما بعد احداث سبتمبر فرصة للحكومات لتصفية حساباتها تحت شعار «الحرب ضد الارهاب» مع خصومها وأعدائها، ولأنه مناخ حرب فإن الحكومات تلجأ الى تعطيل كل آليات العدالة وسيادة القانون والحريات الديمقراطية لتفعل بخصومها في المعارضة ما لا يقره القانون. أول من استثمر ذلك ارييل شارون فعمد الى توسيع الحرب ضد الفلسطينيين لتشمل حتى طاقم السلطة الفلسطينية ورئيسها الذي فرض عليه سجنا منزليا ودمر طائراته الخاصة مع مدرجات مطار غزة حتى يحرمه من التحرك الخارجي. ثم نهض رئيس روسيا فلاديمير بوتين لتصعيد الحرب ضد شعب الشيشان بعد ان اعتبرها جبهة اخرى في الحرب العالمية ضد الارهاب. وحتى حكومة سنغافورة ادعت ان نشاط تنظيم «القاعدة» امتد الى أراضيها فاعتقلت 15 مواطنا قالت انهم كانوا يعدون لتنفيذ مخطط لتفجير أهداف من بينها السفارة الامريكية. ولن يعرف العالم الجانب الآخر للرواية لأن الاشخاص المعتقلين سوف يبقون داخل المعتقل لفترة سنتين دون محاكمة. هكذا ينص قانون سنغافوري جديد من افرازات احداث سبتمبر. ويبقى السؤال: ما هو الارهاب؟ وليام بفاف ليس لديه اجابة جاهزة، لكنه يعود بنا الى التاريخ القريب ليتساءل عن ثورة الجزائر المسلحة ضد الاستعمار الاستيطاني الفرنسي، وحرب التحرير في كل من فيتنام وايرلندا قائلا: لو تأخر وقوع هذه الثورات الدموية التحررية الى ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 أكانت تعتبر حروب تحرير وطني أم أحداثا غير مشروعة يجب ان تستهدفها الحرب الامريكية ضد الارهاب؟! وهو سؤال ينبغي ان يوجه أولاً الى أصحاب الأقلام التبريرية الاعتذارية في العالم العربي والاسلامي.