قلت له ان طرق الوصول الى الحقيقة بعدد انفاس الخلائق وان الاختلاف سنة كونية وان التنوع امر محمود، وان هذا هو مايشرحه لنا ديننا وان الايام دول، فلماذا هذا الضيق بالآخر وعدم القدرة على تحمله فقط لانه ينتمي للحضارة المقلوبة؟ فقال لي ان التاريخ يعيش «نهاية العالم» وان امريكا هي النموذج للدولة الديمقراطية والتعددية وبلد المؤسسات والحريات وما عليكم الا ان تكونوا معنا او مع الارهاب! قالت له ان ديننا ينبذ الارهاب والعنف ويدعو الى السلام والصلح مع اخينا الانسان الذي هو اما اخ لنا في الدين او نظير لنا في الخلق فقال لي: ألم يكن ما قام به ابن لادن قد قام به باسم الاسلام؟ قلت له ان الاسلام حمّال اوجه وان ليس هناك ناطق رسمي ووحيد باسم الاسلام وان لكل فهمه الخاص به فقال لي ان ابن لادن قد قام بما قام به باسم الاسلام، وانه هو الذي نصّب نفسه باسم الاسلام ولم نتهمه نحن بهذا الاتهام، وما عليكم الا ان تلفظوه من بين صفوفكم حتى تطهروا الاسلام الذي تنتمون اليه من هذه القراءة للاسلام، فقلت له بأن ما تقوم به اسرائيل الكيان الصهيوني الغاصب للحقوق والارض الفلسطينية انما هو اخطر بكثير مما قام به ابن لادن لان اسرائيل قد تم تنصيبها رسميا وعلى رؤوس الاشهاد من قبلكم ممثلا رسميا للدين الغربي، وانكم تدافعون عنها وتحمونها وتدعمونها بشتى اشكال الدعم وهي تقوم يوميا وعلى مدار الساعة بما قام به ابن لادن مرة واحدة او مرتين في عمره على ابعد حدود. وختمت قولي له بانكم اذا كنتم صادقين في محاربة الارهاب فانني ادعوكم لتفكيك دولة اسرائيل الارهابية وكيانها، ونحن من جانبنا سبقناكم في ادانة اعمال ابن لادن واطلقنا اشارة تفكيكه مبكرا كما تعلم وتعرف جيدا ايها السيد العتيد والقطب الوحيد! كان هذا ملخص حوار مفتوح وعلى الهواء مباشرة بيني وبين زميل امريكي من ممثلي السلطة الرابعة جاء لمشاركتنا في حوار حي وبلا حدود نظمته المنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الايسيسكو) تحت عنوان: «صورة العالم الاسلامي في الاعلام الغربي بين الانصاف والاجحاف». كا هذا الحوار بين الامريكي الابيض وبين صاحب الملامح الشرق اوسطية كما بات يأتي ذكرنا في قائمة التصنيفات البشرية الجديدة بعد 11 سبتمبر الامريكي الاسود. لكن امريكيا أسود او لنقل صاحب الملامح شرق اوسطية بسبب اصوله الباكستانية قد دخل على الخط بدوره ليقول لي وللرجل الامريكي الابيض الذي يشترك معه في المواطنة بأن سبب الكره المتبادل بين الشرقي والغربي انما يعود الى جهل بعضهم للبعض الآخر وعدم معرفته به، من هنا فان الشرقيين بحاجة الى «استغراب» ليتخصص بقراءة تاريخ وخصوصيات المجتمع الغربي مقابل بحوث «الاستشراق» العديدة المتخصصة بدراسة شئون الشرق وهمومه واهتماماته، كما ان الغربيين بالمقابل بحاجة الى تعديل جذري في قراءتهم الاستشراقية المائلة لمحاكمة كل ماهو شرقي وتشويه صورته. واما المسيحيون الشرقيون من عرب الشرق الاوسط ومن ذوي الملامح السمراء من مصر وسوريا ممن اشترك معنا في ندوة الرباط التي انعقدت بتاريخ 9 ـ 10 يناير 2002م، فقد ركزوا على ضرورة الدعوة الملحة لاقامة حوار دائم بين الثقافات والحضارات كما دعوا الى تفكيك الامم المتحدة الحالية واعادة صياغة بنى جديدة للتعاون بين الدول بعد ان فشلت المنظمة المالية في القيام بمهامها بنجاح وحيادية سواء في الدفاع عن المظلوم او في تجنيب نفسها من شبهة الانحياز للظالم ورجل القوة والهيمنة. في الحوار بين الشرق والغرب الذي دام يومين في الرباط كانت النخب المغربية المضيفة لنا تتموقع في منزلة بين منزلتين فقد كان قلبها يخفق دائما في الشرق فيما كانت تستدعي «العقل» الغربي على طول الخط.ان تكون في المغرب فان عليك ألا تستغرب كما يقول اهلها في امثالهم الشعبية وبالفعل فان كل ماتراه وتسمعه وتشاهده في المغرب يبدو مغربيا ومغربيا عميقا بالاساس قبل ان يكون عربيا او اسلاميا او شرقيا. انها خصوصية تحاول ان تجمع بين العقل والدين وبين الجسد والروح وبين التجدد والاصالة انها المغربية السهلة الممتنعة وهي خصوصية لايتميز فيها سوى اصل المغرب الواقفين على نقطة تقاطع الثقافات والحضارات والادبيات والمذاهب.الناس بعامة والذين يمثلون نبض الشارع المغربي ملتصقون بعقيدتهم ودينهم لكنهم لايتورعون عن الانسياب بخفة باتجاه الضفة الشمالية للمتوسط في محاولة يومية لاستدعاء الآخر من شعوب القارة الاوروبية سواء للتماهي مع او لنتحد به في امكانية خلق التعايش والتصالح بين الرأي والرأي الآخر او بين الثقافات والحضارات.باختصار شديد كان حوارا مفتوحا وشيقا بين الشرق والغرب طوال يومين قضيناهما في تحد حقيقي حول امكانية قيام حوار حقيقي على وجه هذه البسيطة بعد ان بات فيها السيف اصدق انباء من الكتب، وفي ظل حوادث وانباء تتسارع في الوصول الى اذاننا تفيد وتؤكد بأن غالبية ساسة العالم وللاسف الشديد يفضلون حل النزاعات بالقوة المسلحة وليس بالعقل. ونحن من جانبنا نقول بأن الدنيا وان كانت ليست منتدى ثقافيا فقط للتداول بين الرأي والآخر، بل هي ميدان تختلط فيه الاحاسيس والمشاعر المتضاربة والحادة ايضا وما قد تسببه من تصادم يودي الى النزاعات العنيفة ايضا إلا أننا كنا نشعر ومعنا نبض الشارع المغربي بالحاجة الماسة لايصال صوت العقل والدين معا الى هؤلاء الساسة والقول لهم: كفى ظلما بحق الشعوب والامم، والناس عطشى لعدالة حقيقية لا تعرف التناقض بين القول والعمل، عدالة تعيد للشعوب حقها في تقرير مصيرها بنفسها لاسيما الشعب الفلسطيني المظلوم والمهضومة حقوقه على كل المستويات. ـ كاتب ومحلل سياسي ايراني