على ورقة صغيرة دون ذلك الجالس هناك على احدى طاولات المقهى، بضعة أسطر، وضعها جانباً، ثم تصفح الجريدة سريعاً دون ان يدع عينيه تستقران على خبر معين لأكثر من ثوانٍ معدودة، طوى الصحيفة، نادى على النادل ثم دفع حسابه ومضى، بعد أن همس في اذنه بكلمات، ودس في يده تلك الورقة الصغيرة، ومن ثم غادر المقهى. وبسرعة أقبل النادل أو الجرسون إلى حيث اجلس في اقصى المكان، وناولني الورقة، قال بأن ذلك الشاب قد طلب منه ان يعطيني اياها بعد أن يغادر المقهى.. ترددت في أخذها، لكنني تناولتها، كانت ورقة عادية جداً مغفلة الاسم أو التوقيع، كتبها صاحبها بشكل سريع لكنه اجتهد ان يجعلها تبدو منظمة قدر استطاعته، لكنني اضطررت لاعادة صياغتها بأسلوب آخر نظراً لضعف اسلوب صاحبها ربما لبساطة تعليمه، لقد كتب ما يلي: «عندما لمحتك، اشار لي صاحبي بأن اكتب لك، وعرفني بأنك الكاتبة التي تكتب زاوية يومية في جريدة «البيان»، وباعتباري من متابعي الصحف ومن قرائها المداومين بحثاً عن وظيفة، فإن لدي ما أقوله لك واحسب ان لي الحق في ذلك، ولكن لك كل الحق في أن تصدقي أو لا تصدقي، وكذلك في ان تكتبي حكايتي أو تتعاطفي معي أو تقذفي بها وراء ظهرك وتمضي كما يفعل الجميع! أنا يا سيدتي شاب لم اتجاوز الرابعة والعشرين من عمري مواطن اماراتي بحكم القانون، من سكان مدينة دبي الغالية والجميلة والحميمة جداً، انحرفت، ودخلت في متاهات عالم الغواية بتعاطي المخدرات، اضعت مستقبلي، وسببت لعائلتي الكثير من الآلام والمشاكل والاحراجات، لكنني في النهاية اكتشفت الحقيقة، وعرفت الخلاص، وآمنت بالارادة، وبنفسي، وخرجت من السجن وانا عازم على تغيير مجرى حياتي تماماً بشرف واستقامة.. وكان الامتحان تلو الامتحان، ولكنني تمسكت بارادتي وعزيمتي ورغبتي في التوبة، وقاومت ومازلت، قاومت اغراءات الاصدقاء وجلسات التعاطي و... الخ، حتى جاء الامتحان الاصعب العثور على عمل يكفيني حاجة السؤال، ويشدني إلى الخلاص أكثر، ويقوي عزيمتي وثقتي بنفسي وبالمجتمع وبالناس الأصحاء والمستقيمين حتى لا أعود لذلك المجتمع المنحرف والمريض والضائع الذي كنت فيه، وهنا تكمن مصيبتي ومأساتي! فبرغم مواقف الوالد القائد صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة من مجموعة السجناء الذين أمر بالافراج عنهم ومنهم مدمنو مخدرات وأمره بتشغيلهم واعطائهم الفرص للعلاج والاستقامة، إلا أن واقع الممارسة والتنفيذ شيء مختلف تماماً... حيث لا أحد يريد ان يقبلنا في صفوف الاسوياء والمستقيمين وكأنه فرض علينا ان نعيش واقع الانحراف للأبد، برغم ان الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو، لكن الانسان صار أكثر جبروتاً وأكثر ظلماً! طرقت كل الابواب، وقبلت بأية وظيفة وعمل، وعرضت نفسي على الجميع، اعلم بأن تعليمي متوقف عند الاعدادية لكنني اشد عزيمتي لاكمال دراستي بعزم وارادة، اطمح واحلم في غد أفضل، نظيف ومستقيم احلم بأن اعود مواطناً صالحاً، يعمل ويتعلم وينفق على نفسه ويحب نفسه وأهله ووطنه، ويقيم علاقات صحية ومتوازنة مع كل ما ومن حوله، افتح الصحف كل يوم ابحث في الاعلانات المبوبة عن فرص عمل، لكن الابواب كلها موصدة، فيزداد غضبي على عالم المستقيمين والاتقياء والصالحين الذين يدفعون بي وبأمثالي دفعاً نحو ذلك العالم الذي قررت وبصدق الانفصال عنه وإلى الابد. اقول لنفسي لماذا يشتغل كل شخص ويقبل كل رجل يأتيهم من آخر الدنيا، ولا يقبلون بي أنا المواطن الشاب ابن البلد، التائب الذي قبل الله توبته وفرح بها كما قرأت في الاحاديث النبوية، انا لا أريد أن أكون مديراً أو موظفاً كبيراً، أريد أي عمل، أي وظيفة تكفيني مذلة السؤال، وتحصنني من مزالق العودة إلى طريق الغواية». انتهت رسالته دون حتى ان يضع اسمه.. وكأنه كان يائساً حتى من تعاطفي معه!! أشفقت عليه كثيراً ومسحت دمعاً تساقط من عيني.. وقررت أن اكتب حكايته عل احداً ينقذه! Aishasultan@hotmail.com