كم من القصص الخفية ظهرت لنا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بعد ان اندلع فيض من المعلومات عقب ذلك الحادث، بعضها أتيحت معرفته للجمهور العام للمرة الأولى، سواء فيما يتعلق بمتابعة المخابرات العالمية لأنشطة ابن لادن والمجموعات المنضوية تحت عباءته الايديولوجية، وما تفرع منها من نجاح أو اخفاق، أو ما يتعلق بأشكال المفاوضات التي قامت بها الولايات المتحدة وغيرها من القوى، مع حركة «طالبان» قبل الحادي عشر من سبتمبر، من أجل الحصول على تعاونها لمتابعة الارهاب العالمي. فهناك قصتان تحملان من المعنى الرمزي ما يفوق أحداثهما المباشرة، وهما قصتان تتميزان بالبعد الانساني (الذي يتوارى دائما خلف ركام الاحداث الكبرى) أكثر مما تتميزان بالبعد السياسي. القصة الأولى لها علاقة بفيلم سينمائي، كان محظوظا في التوقيت والموضوع، ولكن ـ مع الأسف ـ لم يكن بعض ممثليه في مثل حظه.. إنه فيلم لمخرج ايراني معروف عنوانه «الطريق الى قندهار» ومخرجه الذي أصبح مشهورا على النطاق العالمي هو محسن مخملباف الذي تلقى أفلامه صدى واسعا في كثير من مهرجانات السينما الدولية. هذا الفيلم أعد قبل الحادي عشر من سبتمبر بوقت طويل، وصادف ان يكون توقيت عرضه هو شهر اكتوبر الماضي في أوروبا ليتزامن مع تصاعد تشوق الجمهور العالمي لمعرفة شيء ما عن حركة «طالبان»، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فأقبل عليه الجمهور الغربي بشغف، خاصة انه عُرض على نطاق واسع، وأُفسحت له العديد من دور العرض في المدن الأوروبية ليعرض على شاشتها. الفيلم مبني على فكرة امرأة افغانية تعيش في كندا، تعود الى افغانستان من أجل ان تنقذ أختها من الوضع المأساوي الذي تعيش فيه، وتجري أحداث الفيلم، وهو يبدو خليطا من العمل الدرامي المصنوع والتسجيلي والوثائقي، حتى يتيح المخرج للمشاهد تتبع رحلة المرأة، وهي تتغلب على الكثير من الصعاب التي أريد لها ان تكون وصفا بصريا لما كانت تعانيه فئات الشعب الافغاني تحت حكم «طالبان». تلتقي المرأة طبيباً ـ وهو بائع أعشاب ووصفات أكثر منه طبيباً بالمعنى الدقيق ـ بعد تعرضها لوعكة إثر شربها ماء ملوثاً.. وهو يقوم بفحصها من خلف «حجاب» وبواسطة «محول» (طفل يقف بباب دكان الطبيب) والمرأة في جانب والطبيب في جانب آخر! ثم يتبين للمرأة ان هذا الطبيب هو زنجي أمريكي يضع لحية طويلة يتضح انها مزيفة، ويعيش في افغانستان.. وتطلب منه بطلة الفيلم ان يساعدها للوصول الى قندهار، فيحاول ذلك بتعريفها على مجموعة تضطلع بالعمل الانساني، وفي الحديث معها في الطريق تسأله: لماذا أنت في افغانستان؟ يقول: لقد جئت هنا للمساعدة في الحرب التي يشنها المؤمنون ضد الكفار، فتتساءل مرة اخرى: ولماذا بقيت في هذه البلاد حتى الآن؟ يقول انه لم يعد يعرف أياً من الفرق المتحاربة هي المؤمنة! في اشارة واضحة للحرب بين الفرقاء من الفصائل الافغانية التي حاربت السوفييت معاً، وما ان رحل هؤلاء الآخرون حتى اشتعلت الحرب بين رفاق السلاح طمعاً في الهيمنة والنفوذ، لينتهي الأمر الى هذه الأوضاع التي أصبح يعرفها الجميع. لا تتمكن المرأة من الوصول الى اختها، فقد قبض عليها أفراد «طالبان».. ولم يكن الفيلم الذي شاهدته يُعنى بوضع نهاية منطقية للأحداث أكثر من عنايته بكشف الممارسات الطالبانية التي لا يقرها. ولكن القصة ليست هنا، فقد شاهد هذا الفيلم ملايين الناس، خاصة في أوروبا، وأخيرا في أمريكا، ثم تبين ان ذلك الامريكي الزنجي الممثل هو «ديفد بلفيد» الذي غير اسمه ليصبح داود صلاح الدين! وهو كما قالت وسائل الإعلام متهم بجريمة قتل ارتكبها ضد دبلوماسي ايراني سابق في الثمانينيات وقد هرب الى ايران منذ عشرين عاما وعاش فيها، والتقطه المخرج ـ كما قال ـ دون معرفة بتاريخه السابق، كي يقوم بهذا الدور الذي ظن ان المشاركة فيه لن تتحقق لها الشهرة على نطاق واسع، لأن هذا الفيلم لم يكن مقدرا ان يشاهده الا بضع عشرات من المشاهدين المهتمين، ولم يكن يدور بخلده انه سوف يشاهده الملايين في مختلف أرجاء العالم الغربي، بعد عملية الحادي عشر من سبتمبر، ليتسبب في النهاية في افتضاح أمره! أما القصة الأخرى، التي لها علاقة بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، فهي ربما تكون أكثر غرابة، وقد نشرت في جريدة «لوموند ديبلوماتيك» في عددها الصادر لشهر يناير الجاري، فقد قرأت في العدد مقالا مطولا عن قصة المفاوضات السرية التي خاضتها واشنطن و«طالبان». ولعل أول ما لفت نظري في هذه المفاوضات ـ التي حدثت قبل نكبة سبتمبر بفترة طويلة ـ ان تدمير تمثال بوذا العملاق في باميان، وهو العمل الذي ارتكبته «طالبان» على مرأة من عدسات الوكالات العالمية، هذا التدمير كان احدى النتائج التي أسفر عنها فشل واحدة من الجولات التفاوضية بين واشنطن و«طالبان» وكذلك لاستمرار العقوبات الدولية على الحركة، ولم يكن مجرد اكتشاف متأخر لـ «حرمة الأصنام»! ومن ثم يتضح ان هذا القصف كان مجرد طريقة ـ ربما تكون ساذجة ـ للإضرار بالنفس أكثر منها عملاً منظماً خاضعاً للتفكير المسبق مدروس النتائج. ومع ذلك فليست هذه هي النقطة الأكثر تشويقا في الرواية. فالرواية التي نشرتها الصحيفة تذهب الى القول انه في وقت ما من المفاوضات اقتربت الولايات المتحدة كثيرا من الحصول على «الجائزة الكبيرة» وهي تسليمها ابن لادن وكبار مساعديه من قبل «طالبان»، الى درجة ان وزارة الخارجية الامريكية جمدت تحقيقات مكتب التحقيق الفيدرالي حول احتمالات تورط ابن لادن ومن معه من طالبان في الاعتداء على السفينة الحربية الامريكية «يو.اس.اس كول» في عدن. وبعد ذلك طردت الشخص المتخصص في شئون «ابن لادن». ولم تنته القضية هنا، بل ان هذا الشخص، جون أونيل، وهو المتخصص في شئون ابن لادن، والذي طرد من مهمته، وجد عملاً آخر بعد ذلك، حيث أصبح «مسئول الأمن » في برجي التجارة العالمية في نيويورك اللذين صدمتهما الطائرتان المنكوبتان، ليلقى حتفه تحت الركام في الحادي عشر من سبتمبر 2001. ويا لها من مفارقات انسانية مضحكة مبكية.. وظني اننا سوف نسمع الكثير مما خفي في أضابير الملفات عن تداعيات الموضوع الكبير الذي شغل العالم، وهو أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وفي هذا الاطار ربما لا يكون كتاب منتصر الزيات المنشور حول أحد أهم مساعدي ابن لادن «أيمن الظواهري» أكثر من رأس جبل الثلج الذي يتوقع ان يكشف الضوء الكثير من جسمه الضخم المتواري عن النظر في القادم من الأيام. الا ان الموضوعات الانسانية في هذه التراجيديا هي التي تستحق الاستقصاء، وهي كثيرة ومتعددة وأغلبها مفارقات تثير التأمل والحزن! ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت