في آخر اجتماع بالدوحة لوزراء الدول الاسلامية توحدت الآراء وأيدت ووافقت على القرار الذي نتج عن هذا الاجتماع وهو انشاء محطة فضائية ناطقة باللغة الأجنبية مقرها الدوحة، ولا شك انه خبر سار تناقلته وكالات الأنباء مع ان الفكرة جاءت متأخرة جدا، ولا شك ان الامة الاسلامية بحاجة الى مثل هذه القناة وفي هذا الوقت بالذات، واعتقد انه كان على منظمة الدول الاسلامية تبني انشاء محطة اعلامية منذ نشأتها للتعريف بالاسلام.. وكان المفروض ان يكون من أهم واول قراراتها وذلك لتوصيل صوت المسلمين بين بعضهم البعض أولا والى كل شعوب العالم ثانياً. المسلمون ليسوا هم العرب، وليس كلهم ناطقين باللغة العربية، بل على العكس فان اكبر دولة اسلامية من حيث السكان هي اندونيسيا وعدد سكانها يساوي اغلب سكان الدول العربية تقريبا. ان المسلمين الاوائل أوصلوا الاسلام الى مشارق الارض ومغاربها.. وبالوسيلة الوحيدة التي كانت متاحة في تلك الايام وهي السفر الى ابعد حدود لنشر الدعوة واقناع سكان هذه الارض بالدخول في الاسلام. ولكن مع تراجع الخلافة الاسلامية والتطورات التي شهدها العالم بعد ذلك، انصرفت الدول العربية عن اداء واجبها وكذلك علماء المسلمين، وبقي نشر الدعوة مقتصرا على الوعاظ في محيط دولنا العربية، في الوقت الذي نسوا أو تناسوا ان هناك ملايين من المسلمين وغيرهم في حاجة الى معرفة مبادئ وتعاليم الاسلام السامية، ليس هذا فحسب بل اقتصرت الخلافات بين الجيل الجديد من المسلمين على تطويل اللحى أو تقصير الملابس مع احترامي الشديد لهؤلاء وحسن نيتهم. وهنا أتذكر قصة رواها لي أحد الاصدقاء عن أحد الشباب المتمسكين بتعاليم الاسلام كما يقول على غرار السلف الصالح، وهذا من وجهة نظري ليس عيبا بل على العكس ان السلف الصالح خير من نقلدهم ونقتدي بهم. يقول الصديق: جاءني في يوم من الايام هذا الشاب ومعه شيخ شاب من احدى الدول العربية في شمال افريقيا، شاب وقور وبلباس خليجي متميز، رحبت به، وبعد ان تحاورنا بضع دقائق في أمور الدين والدنيا قلت له تفضل.. «آمرني»! وكنت اظنه طالبا له حاجة في نفسه أو جاء ليطلب تبرعا لبناء مشروع خيري في احدى الدول الفقيرة المسلمة، لكنه فاجأني برده: جئت اليك لأعلمك أصول الدين الاسلامي، واشرح مبادئه لك باذن الله. فتعجب الصديق من ذلك واستوقفه قبل ان يكمل، وقال له: كيف ذلك أنت تعرف انني مسلم، وتعلم جيدا بأني عربي من الجزيرة العربية مهد الاسلام، أليس الاولى بك ان تذهب الى الدول الافريقية المسلمة القريبة منك لتعلمهم مبادئ الاسلام فهم احوج مني الى ذلك، ومن شدة غضبي قلت له: ان أمثالك من يدعي انه واعظ ومبشر بالدين الاسلامي اصبحوا عاجزين عن نشر تعاليم ديننا لمن هم في حاجة اليه ولم يعد لهم اي تأثير يذكر، في الوقت الذي ينشط فيه رجال الكنيسة الأوروبيون وينتشرون في كل انحاء العالم، ويصرفون من أموالهم الخاصة للدعوة الى المسيحية!! لذا فان انشاء قناة اسلامية ناطقة باللغة الاجنبية جاء في وقته، واتمنى ان تحدث هذه القناة نقلة نوعية للتعريف بالاسلام، وان يتم استثمارها وتوظيفها لخدمة الاسلام ولتحديد موقعه على الخارطة العالمية، واشكر دولة قطر أميرا وحكومة على تبني هذه المبادرة وتحمل المسئولية، مع ان اختيار قطر لم يأت من فراغ، فهي تمتلك كل الامكانيات واعتقد ان قناة «الجزيرة» خير مثال على ذلك، هذه القناة التي وصلت الى النجاح بشهادة كل القنوات الفضائية التي بدأت تقلدها وهذا خير دليل على تميزها. ويمكن الاستفادة من امكانيات «الجزيرة» لتقديم القناة الاسلامية. كما اتمنى ألا تكون هذه القناة، قناة تقليدية دورها فقط تبشير المسلمين بالجنة والدعاء على الكفرة بجهنم، بل يجب ان تكون محطة تؤدي رسالتها بعيدا عن اي تدخلات أو تطرف، ومنبرا اسلاميا فيه الابداع والاخبار والمقابلات، والتحليلات والندوات عن الاسلام، وتقبل الرأي والرأي الاخر، وتقدم القناة كذلك برامج عن المقارنة بين الاديان وتبين حقيقة الدين الاسلامي لغير الناطقين بالعربية، وكذلك تشرح للمشاهدين حقيقة الدين المسيحي مثلا وتبين لهم أين ولد عيسى ابن مريم عليه السلام والحقائق الاخرى عن الانجيل، وكيف يقدره المسلمون وينظرون اليه، وما هو دور اليهود الصهاينة في تعذيب وصلب المسيح كما خيل لهم؟! كل هذا اعتقد انه يخفى عن بعض الأوروبيين ان لم يكن أغلبهم، حيث يعتقدون ان المسيح عليه السلام غربي المولد والمنشأ وهو من ذوي البشرة البيضاء، وأعتقد ان اغلب جيل الشباب الامريكي يظنون ذلك ايضا ويعتقدون ان المسيح ظهر في أوروبا، والدين المسيحي أوروبي المنشأ، مع ان عيسى عليه السلام لم يخرج من فلسطين إلا في محيطها وبعض اجزاء من مصر، وانه ولد في فلسطين بمدينة بيت لحم.. ويبقى هناك الكثير والكثير نأمل ان تستطيع هذه المحطة ان تقدمه الى العالم مع ترسيخ التعاليم الدينية والاسلامية في كل ارجاء العالم والسعي لكسب ثقة المشاهدين المسلمين وغير المسلمين ونحن في انتظارها، وبارك الله فيمن تبنى هذه الفكرة ومن وافق على تنفيذها والى دولة قطر الشقيقة كل الشكر والتقدير.