الموت.. هو الحقيقة المؤكدة لدى الجميع في هذا العالم الصاخب المتسارع، المتصارع، والموت هو نقطة الفصل الأكيدة لوقف أي صراع حياتي يخوضه الانسان ولا يتوقف عنه ابداً بمحض ارادته ليأتي الموت فيجبره على التوقف، هكذا وفجأة ودون ان يكون قد وصل الى حل اكيد في اي من مشاكله التي لا تنتهي.. وأجمل ما في الموت ولعل هذه هي حكمته الإلهية بالتأكيد انه يأتي دون استئذان، وحين تقع الواقعة فلا نقض فيه ولا ابرام.. وأعظم لحظات الحياة التي ترى فيها الدنيا بوضوح تام وشفافية متناهية هي تلك اللحظات التي تقف فيها امام جسد مسجى في هدوء ينتظر آخر رحلة له على ظهر الارض ليبدأ رحلة تحت الأرض، هذه الرحلة التي بدأها زميلنا المرحوم محمود جمال الدين منذ أيام دون استئذان ليودعنا ويودع ارضه وبلاده وأمه واخوانه.. لم يكن في حسبانه ان رحلته الى العين الفايضة مع أسرته مسألة وقت ممتع يقضيه وسط طبيعة تجذب الجميع نحوها لتنتهي رحلاته كلها على ظهر الارض في لحظة يبدأ بعدها رحلة الى عالم الغيب والمجهول، حيث حياة اخرى وأجواء اخرى، حياة لا صراع فيها ولا جهاد.. حياة هي الحياة الآخرة التي لا فناء بعدها فهي حياة الخلود.. هكذا تنتهي الحياة في لحظة.. وهكذا يتوقف المشوار الذي يعتقد الانسان أنه طويل وعليه ان يتعامل معه على هذا الاساس فإذا بها تقف به فجأة ورغماً عنه في منتصف الطريق تاركاً خلفه اجمل ما حقق في حياته ابنه وابنته.. لقد خطف الموت منا فجأة قلما جميلاً وعبارة ساحرة وفكرا مستنيراً كان أمامه الكثير كي يبدع ولكن أرادت حكمة الله وإرادته ان تنهي مشوار هذا القلم الجميل بهذا الحادث المفجع الذي حصد الأب وأصاب الأم والابن والابنة. هكذا انتهى مشوار محمود جمال الدين زميلنا في مهنة المصاعب والمتاعب، انتهى نهاية لم يكن يتمناها احد له أبداً ولكنها ارادة الله التي لا ترد.. وعزاؤنا أنه ترك من جر قلمه كلمات كثيرة جميلة ورقيقة رقته ورشيقة رشاقته حينما كان يكتب أو يحاور. نحن يمكن ان ننسى كل الناس، إلا أن ننسى قلما ابدع ذات يوم وكتب من دمه حروفاً ستبقى طيلة العمر تذكرنا به.. رحم الله محمود جمال الدين.