منذ تقسيم شبه القارة الهندية الى دولتين متجاورتين قبل اكثر من نصف قرن، وبالتالي ظهور باكستان كدولة اسلامية، ظل المعيار الاعظم لقياس مدى شعبية الانظمة والحكومات الباكستانية المتعاقبة على السلطة هو مدى الالتزام الوطني لكل منها بمصير شعب كشمير ونضاله من اجل هذا المصير. وسوف يظل الامر كذلك الى ما شاء الله والنظام الحاكم راهنا بزعامة الجنرال مشرف لن يكون استثناء من هذه القاعدة. هذا في تقديري هو المدخل المنشود لقراءة موضوعية متأنية لذلك الخطاب التوثيقي الذي القاه الرئيس مشرف قبل بضعة ايام. ولنتساءل ابتداء: ما هو الارهاب غير المشروع؟ وما هو النضال الوطني المشروع؟ وما الفارق بينهما؟ واهمية هذا التساؤل ترجع الى ان الرئيس الباكستاني الذي جعل من قضية «الارهاب» مرتكزاً ومحوراً لخطابه، وليس الغرض هنا هو اثارة جدال اكاديمي تنظيري حول معنى «الارهاب» وانما هو تفحص براجماتي لهذا المصطلح كما هو مطبق عمليا في ساحة الصراع العالمي. لقد حرص الجنرال مشرف على التأكيد الصريح على ثبات السياسة التقليدية الباكستانية تجاه كشمير، ومع ذلك فإن استطراده في هذا السياق لم يخل من غموض. «ان كشمير تجري في عروقنا»: هكذا صاح الرئيس الباكستاني مخاطبا العالم كله قبل ان يضيف قائلا: «لن نغير ابداً موقفنا المبدئي تجاه كشمير»، لكن الاستدراك الذي يلي هذا الاعلان القاطع يضفي عليه شيئا من الغموض، فقد حذر الرئيس من انه «لا يسمح لأي منظمة بالتحول الى ممارسة الارهاب باسم كشمير». وهذا مما يعود بنا الى السؤال المطروح: ما هو هذا «الارهاب» الذي يجب على المنظمات الكشميرية ان تتفاداه دون ان تساوم في هدفها التحرري او تتخلى عنه نهائيا؟ نظريا، يمكن ان يقال ان على المنظمات الكشميرية ان تتوخى الوسائل السلمية، لكن ماذا لو افضت الوسائل السلمية عند نهاية المطاف الى طريق مسدود؟ وفي غياب تعريف دولي معترف به ومعتمد رسميا لدى الامم المتحدة لمعنى الارهاب، لا يبقى على ساحة التطبيق العالمي سوى ذلك المفهوم الامريكي الفضفاض للارهاب الذي ينطوي على تجريم صريح لحركات التحرر الوطني، خاصة اذا كانت اسلامية. فهل يجوز تفسير «الارهاب» كما ورد في خطاب الرئيس مشرف على اساس هذا المفهوم الامريكي؟ والاجابة تحتمل الوجهين: يجوز ولا يجوز. فارتباط باكستان بالتحالف الدولي لمكافحة الارهاب بقيادة الولايات المتحدة يرجح الاحتمال الاول. ولكن من ناحية اخرى يكون ما قصد اليه الرئيس مشرف هو ان تتفادى المنظمات الكشميرية تنفيذ عمليات يمكن ان يروح ضحيتها مدنيون ابرياء، دون ان تتخلى بالضرورة عن الكفاح المسلح من حيث المبدأ. لقد تضمن الخطاب فيما تضمن قراراً رسميا بحظر خمس منظمات اسلامية بينها ثلاث منظمات باكستانية.. واما المنظمتان الاخريان فهما كشميريتان.. وبينما من المتوقع ان ترحب قطاعات الشعب الباكستاني بحظر المنظمات الثلاث، فإنها قد لا ترحب بحظر المنظمتين الكشميريتين. لقد ظلت المنظمات الثلاث تتبادل فيما بينها اعمال العنف المتواترة، داخل المدن الباكستانية انطلاقا من عقائد طائفية. ورغم ان حظرها لن يأسف عليه احد إلا انه كان من الافضل ان يأتي قرار الحظر على مستوى القضاء بعد ان يواجه قادتها بسجل اتهامات. اما المنظمتان الكشميريتان ـ «جيش محمد» و«عسكر طيبة» ـ فأمرهما مختلف. فهاتان المنظمتان موضوعتان على القائمة الامريكية للمنظمات الارهابية. ولكي لا يقال انهما حظرتا كاستجابة لضغط امريكي، كان الافضل ايضا احالة امرهما الى القضاء حتى تتاح لهما فرصة الدفاع عن النفس. بعد هذا كله تبقى قضية كشمير مصدر تأزيم مستديم للعلاقات بين الهند وباكستان. ولن يتيسر ايجاد اي حل لهذه المشكلة طالما ظلت محصورة في الاطار الأمني.