كان حسن هو اسمه الأول وكان اسمه الأخير ـ لقب عائلته على ما أذكر هو (الوزاني) كان مهاجرا من الأردن إلى أمريكا.. وقد سعدت بمعرفته اذ كنت أتردد على مكتبته التي افتتحها في نيويورك لبيع الكتب تعاونه في ذلك زوجة من أصل لاتيني ـ اسبانيولي كما يقول اخوتنا من أهل الشام. كانت المكتبة صغيرة نسبيا بالمقارنة إلى دور بيع الكتب الكبرى التي باتت تحتكر السوق في طول الولايات المتحدة وعرضها.. ولكن إياك ان تستهين بدكان صديقنا (الوزاني) القادم من أرض الأردن الشقيق.. صحيح أن مكتبته كانت تتصدرها واجهة ـ فترينة زجاجية تطالع على صفحتها بصمات الزمن العتيق ـ إلا انها كانت تفضي داخل المحل إلى ممرات وزوايا بل وسراديب صغيرة شبه معتمة ولكن حافلة بصنوف المطبوعات بالانجليزية والفرنسية والاسبانية وأيضا بالعربية من كل لون وفن.. وربما افضت حكاية السراديب هذه إلى أن اصبحت الفترينة الزجاجية هي روح المكان وعنوانه البليغ.. كان صاحب المكتبة يعرض فيها أحدث ما يصله من مطبوعات عن قضايا الساعة من جهة ثم القضايا النوعية التي تحوز اهتمام زبائنه الاقربين من جهة أخرى. وكنا بالطبع من هؤلاء الزبائن المقربين، فالكتب هي ـ كما لعلك تعرف ـ شغلنا الشاغل حيث شاء ربك العلي القدير أن تكون بالنسبة لنا مسلاة وشغفا بقدر ما أنها أصبحت بحمده تعالى تنويرا (وأكل عيش) ان شئت الصراحة والوضوح. ثم ان مكتبة الوزاني كانت تصادفنا في طريق الذهاب والاياب إلى حيث كنا نعمل لسنوات طوال في أمانة الأمم المتحدة ولم يكن يفصلها عن مقر المنظمة الدولية العتيدة سوى خمسة شوارع على وجه التحديد.. وكان صاحب المكتبة يدرك انه قطب جاذب لاهتمامنا في طريق الغدو أو الرواح ولعله أدرك كذلك ان قد ادركتنا حرفة الأدب وشغف المطبوع، فكان يعمد إلى ان يدرج فوق أرفف الواجهة الزجاجية أحدث الاصدارات عن القضايا التي تشغل محور اهتمامنا ما بين الشرق الأوسط.. التاريخ الحديث والتطورات المستجدة وهموم السياسة ومسائل الاقتصاد، فضلا عن قضايا أخرى مما يهم المثقف العربي القوى، وعلى رأسها مثلا السياسة الخارجية الامريكية وتطورات العلاقات الدولية ثم قضايا نوعية مستجدة على الوعي الجمعي العربي والعالمي ليس أقلها أشجان البيئة (الايكولوجيا) وهي قد تبدأ بالعبث اللامسئول في غابات الامازون المطيرة وقد لا تنتهي بذلك الثقب المستعصي على الرتق والاصلاح في طبقة الاوزون. هكذا ارتبطنا أنا وصاحبنا برباط طيب ومفيد.. نهض على اساس انتمائنا اليعربي وتدعم على اساس المصلحة المشتركة بين قارئ يعرف قيمة الكتاب ولا يتردد في اقتنائه في حدود سعر معقول ـ وبين بائع يكسب رزقه من تقديم هذه السلعة في حدود هذا السعر المعقول. مع ذلك فلم تكن هذه العلاقة البناءة لتخلو من مواقف طريفة فيما نتصور.. وقد لا ننسى يوم ان مررت بالمكتبة فإذا بالأخ حسن الوزاني وقد عرض في صدر الواجهة كتابا بعنوان (مصر في عهد عبدالناصر) أو حرفيا (مصر تحت حكم ناصر) بدا الكتاب في الفترينة صغير الحجم، قليل الصفحات، لكن يبدو ان صاحب المكتبة كان واثقا ـ ومعه الحق ـ بأنه سوف يكون من المقتنيات المؤكدة التي ستجد طريقها إلى حقيبتنا الأنيقة خاصة والكتاب صادر عن دار «وست فيو» وهي مناوئة للعرب ولعبد الناصر، ومن المهم ان نعرف صورتنا عند الآخرين متهللا قابلني (الوزاني) وبعد السؤال التقليدي ـ ربما اليومي عن الأحوال والصحة والمزاج ـ امتد حبل الحوار مع الشاطر حسن الذي بادرني قائلا: ـ كنت متأكدا بأن الكتاب سوف يحوز اهتمامك. ـ طبعا.. رغم انه من «وست فيو».. كم سعره إذن؟ (قلتها وقد أدخلت يدي في جيبي). ـ سبعون. ـ سبعون ماذا؟ (سارعت باخراج يدي من جيبي). ـ سبعون دولاراً.. أعرف انه سعر غالي حبتين.. خلاص خلها ستين. أيامها كان سعر الكتاب المهم المهم في حدود كذا وعشرين دولاراً ولا يتجاوز مجال سعره الثلاثين ربما باستثناء كتاب كيسنجر الشهير بعنوان الدبلوماسية وقد بلغ سقف الخمسة والثلاثين لدى صدوره عام 1994 وكان سعرا استثنائيا يومها وكان معقولا ايضا اذ بلغت صفحات الكتاب 912 صفحة ومن القطع الكبير.. ومن ثم كان اعتراضنا الموضوعي والتمويلي ايضا على سعر كتاب لم تتجاوز صفحاته المئة والثمانين واصدرته دار مناهضة لنا رغم انه كان يحمل اسما جليلا هو عبدالناصر. ـ شكرا يا صديقي، اعفني من شراء الكتاب وقد اطالعه ان استطعت في مكتبة نيويورك العامة، والله المستعان. كان الوزاني تاجرا شاطرا على عادة أهلنا الحاذقين في منطقة الشام ومن ثم تعمد اطالة حبل الحديث. ـ أيرضيك ان نخفض الثمن قليلا. ـ ألست ناصريا؟ ـ ممكن: ولكن ليس إلى هذا الحد. ـ سبحان الله. ـ يعني ناصري في حدود عشرين ثلاثين دولاراً. هناك تعالت ضحكاتنا.. وارتفعت حواجب أمريكية كثيرة من زبائن المكتبة وخاصة السيدات العجائز الباحثات عن روايات أجاثا كريستي البوليسية وأقاصيص دانييل ستيل الرومانسية. ومضت الأيام.. وربما نسيت ان أطالع الكتاب في المكتبة الحكومية ـ وببلاش ـ في الشارع الخامس من مانهاتن.. وأربدت سحنة الزمن حين زرت مكتبتي الاثيرة في عصر أحد الايام.. ليبلغني صديقي الأردني ان مالك العقار زاد الايجار بصورة فاحشة لا تطيقها ميزانية الصديق العربي.. وأنه يستعد لتصفية المكتبة والتماس الرزق في مجال آخر وربما في ولاية أخرى. ولم يكن السبب هو مجرد نوازع الجشع من أصحاب العمارات القديمة في الشارع الأول (فيرست افنيو) من جزيرة مانهاتن.. ولكن السبب الحقيقي هو الظاهرة التي ما لبثت ان كتبت عنها وانتقدتها أقلام المحللين في الصحف والدوريات.. ظاهرة السمك الكبير ـ الحيتان ـ الذي يلتهم السمك الصغير (البيساريا كما يسميه المصريون) وتلك من آفات المجتمع الرأسمالي، وهي آية ودلالة على نزعة الاحتكار الذي تمارسه الشركات العملاقة والمؤسسات والمشاريع السوبر ـ ضخمة وعلى حساب المشاريع الصغيرة والأرزاق المتواضعة التي يتعيش منها بسطاء الناس. تمثلت هذه الظاهرة ـ حسبما لاحظ راصدوها ـ في زحف احتكارات بيع الكتب ذات الاسماء الكبيرة في هذا النوع من التجارة كي تنشئ مكتبات كبرى، ذات فروع تجارية عملاقة على مستوى احياء المدينة ونواحيها وضواحيها، حيث تقدم هذه الأفرع خدمات اضافية، غاية في الجاذبية والاغراء لصالح الزبائن: كافتيريات وقهوات وما إليها فكانت النتيجة انصراف الناس عن الدكاكين الصغيرة والمكتبات التي طالما نشأت على التعامل معها اجيال بعد أجيال وفيها كان يرتزق رجال كثيرون ونساء لم يكن في طوقهم مقاومة هذا التيار العاتي فكان ان اجبروا على اغلاق محلاتهم أو اجبرهم أصحاب العقارات على التخلي عنها، ولأن لكل شيء ثمنا.. فالحاصل ان افاد الزبائن من تسهيلات الكافتيريا في المكتبة الضخمة.. لكنهم خسروا علاقة المودة الإنسانية والتواصل الشخصي مضمخا بدفء المعرفة الإنسانية بين بائع الكتب في دكانه العتيق وبين زبونه وقد كانا يتعارفان بالاسم والعلاقة الطيبة ويتفاهمان بفضل وشيجة نشأت وتنامت على امتداد السنين. هذه الظاهرة جهد المحللون في ان يجسدوها من خلال سؤال مفعم بمشاعر الاستنكار يقول: ـ لمصلحة من تؤسسون هذه الاحتكارات الضخمة وفيها يكون القضاء على مكتبة بابا وماما؟ (بوب آند موم) وهم يقصدون المكتبات التي يعيش منها ويدير شئونها رجال أو نساء في عمر آبائنا وقد تعودنا على التعامل معهم في الجيرة أو الحي منذ كنا صغارا ونشأنا على معرفتهم على امتداد سنوات. انها ضريبة التطور يدفعها الناس.. وقد يفيدون من التطور مساحات أوسع ومرافق وتسهيلات اكفأ وكلهم يدفعون الضريبة على شكل انكماش التعامل الإنساني وتقلص منظومة العلاقات التي تقوم بين البشر على اساس من التعاطف والمودة وحسن المعاملة . ورحم الله الأيام التي كنا نتسامر فيها مع صديقنا (الشاطر حسن) الوزاني، ونستدعي كل ذكريات أوطاننا في مصر أو في الأردن بل في وطن العروبة بأسره وليكن التوفيق حليف المهاجر العربي ونضاله الشريف كي يكسب رزقه الحلال في وطن الغربة رغم ما آلت إليه المستجدات الأخيرة من قسوة الظروف وشراسة التحديات.