الأخطاء والسلبيات ليست قدراً على الاطلاق، انها واقع نصنعه بأيدينا وبتصرفاتنا، لجهل أو لعجز أو لقلة طموح وبعد نظر، ثم سرعان ما نخترع المبررات والاعذار لتمرير هذه الاخطاء ولتسويغ استمرار تلك السلبيات. وفي موازاة الاخطاء والسلبيات، نقف جميعاً لنقرر كيفية التعاطي مع كل خطأ وتجاوز واختراق، وفي كل الاحوال وأيا كانت المبررات فان التعايش معها، وتقبلها برضا وطمأنينة لا يمكن اعتباره حكمة أو قناعة أو حسن تصرف، انه العجز المتراكم في الداخل، العجز الذي لا يرغب صاحبه في تحريك الواقع الساكن! ذلك ان اثارة سكون البحيرة قد يحول الجمال (الظاهر) الى قبح، وقد يضر كثيراً بهؤلاء المشاكسين الذين يتجرأون على الصراخ في وجه السكوت، أو القاء الاحجار في قلب البحيرات فيزعجون القاع والسطح والضفاف!! هذا العجز في حقيقته هو تراكم ممتد، وليس مجرد خطأ شخصي لفلان أو علان، هو ايضاً ميراث لقناعات تم تكريسها في دواخلنا ليل نهار، عبر مئات الكتب والصحف وبرامج الاذاعة وافلام السينما وبرامج التلفاز، ورجال الادب، واصحاب المحاضرات والمنابر الثقافية، القناعات التي اكدت وتؤكد لنا يوميا بأننا لسنا سوى شعوب تندرج ضمن قائمة العالم الثالث والمتخلف والنامي والضعيف وبأن هذا قدرنا، وهذا ما نستحقه، ويجب ان نبقى فيه للأبد! المشكلة ليست في انهم وضعونا في خانة ضيقة وتعيسة كهذه، وتركونا محشورين فيها، المصيبة اننا آمنا بتخلفنا وعجزنا، حتى صار التخلف عقيدة لا نريد التمرد عليها، خشية ان نتهم بالكفر والعصيان! وكأنه يراد لهذا التخلف ان يكون قدرنا الملازم كظلنا، والابد المكتوب علينا، هذا ما يسعى إليه كثيرون، ويخططون له ليل نهار، والمصيبة القاتلة تكمن في استسلامنا لهذا الذي جعلوه (مكتوبا) ويريدونه ان يبقى ثابتا، بينما المفروض ان نجعله طارئاً من طواريء التاريخ، وآفات الركود والبيروقراطية، ان الخلاص كما يؤكد قانون الحضارة ينحصر في ثلاثة شروط للنهوض هي: الانسان والوقت والموارد المتاحة، وهذه موجودة.. ولكن! تأمل جيداً ماذا يحدث عندما تختل المواعيد، ويتعطل انجاز المعاملات، ويتوقف مصعد البناية، ويسيء الموظفون معاملة عملائهم، ويتجاهل المسئولون شكاوى الجمهور، وتعم الفوضى، ويخترق قانون السير امام رجال المرور احياناً، وتنعدم مصداقية نظام التعليم، ولا تحترم حقوق الانسان و... الخ، ماذا يحدث في مواقف كهذه عادة؟! اننا ودون مقدمات ندخل في الدهاليز الخلفية ونسقط في هاوية النقص تجاه الغرب، ونأخذ في اجراء المقارنات التي لا تنتهي الا لصالحهم دائما ولغير صالحنا ابداً. يقول لك احدهم وكأنه يسمعك قصيدة مديح: (العرب عرب) أو (هذه خدمة العرب)، (مواعيد عرب)، (هناك في الغرب يحترمون القانون)، (انهم في الغرب يقدسون المواعيد)، (نحن متخلفون في كل شيء) وتستمر قصيدة جلد الذات العصماء، لان الكلمة مطواعة على لسان العربي، ومركب النقص يغوص عميقاً منذ قرون! كل القضية والاشكالية في الانسان وفي هذا المناخ الذي يتحرك فيه، وفي بيئة البيروقراطية المترهلة التي تتمدد في عقول الموظفين والمسئولين بكسل واستسلام، القضية ليست قضية جنس أو عرق أو ديانة.. انها انسان وزمن وموارد متاحة. aishasultan@hotmail.com