المعركة الكلامية الحادة التي اندلعت بين الولايات المتحدة وايران قبل بضعة أيام تبدو بكل الشواهد الماثلة مقدمة لصدام خطير بين الدولتين في المسرح الافغاني المضطرب. فكيف ينشأ هذا الصدام ومن يكون الطرف المنتصر؟ حتمية الصدام كانت بادية لحد ما منذ ان قررت الولايات المتحدة القيام بتدخل عسكري حاسم في افغانستان للاطاحة بنظام طالبان توطئة لتدمير تنظيم «القاعدة» وملاحقة قادته وعناصره. ورغم ان طهران التقت مع واشنطن ـ دون ترتيب مسبق أو أي اتصال في هذا الصدد ـ عند هدف مرحلي مشترك هو اقصاء طالبان من الحكم، الا ان هذا التوافق المؤقت لم يكن ليحجب ذلك التناقض الأساسي فيما يتعلق بالمستقبل السياسي لأفغانستان بين قوة عظمى ترى في افغانستان المستقبل دولة علمانية خاضعة تماما للأجندة الامريكية في كبح النفوذ الاسلامي في جنوب آسيا باسم مكافحة الارهاب وقوة اقليمية تسعى الى خلق دولة افغانية راديكالية تنضم الى الخندق الايراني لمجابهة النفوذ الاسرائيلي المدعوم أمريكياً في منطقة الشرق الأوسط. وبالطبع ما كان لهذا التناقض الأساسي ان يبدأ في التفجر الا بعد زوال نظام طالبان ـ العدو المشترك. لذا سارت الحملة العسكرية الامريكية بسلاسة في مرحلتها الأولى. فقد كانت ايران عمليا، مع روسيا، شريكا أصيلا في تحالف يضم الولايات المتحدة من أجل اسناد قوات تحالف الشمال الافغاني. ولكن بعد كسر شوكة طالبان واندحارها عسكريا وسياسيا وتسلم قوات التحالف الشمالي الافغاني السلطة في كابول عبر حكومة ائتلافية اختلف الأمر. فقد برز السؤال التالي: من تكون القوة الخارجية التي تتولى النفوذ الأعظم في توجيه المسار السياسي في افغانستان؟ المعركة الكلامية الحادة التي اشتعلت الآن بين الولايات المتحدة وايران تركز الضوء على أهمية هذا السؤال الكبير. الطرف الأمريكي هو الذي ابتدر المعركة حين نهض الرئيس بوش معلنا توجيه اتهامين الى ايران: أولا ان طهران تسعى لزعزعة استقرار الحكومة الافغانية الجديدة، وثانيا انها تؤوي اعضاء من تنظيم «القاعدة» الهاربين. وجاء الرد الايراني على صعيدين: رسميا نفت وزارة الخارجية الايرانية الاتهامين، وشعبيا شن هاشمي رفسنجاني رئيس «مجلس تشخيص مصلحة النظام» في خطبة صلاة الجمعة الفائتة هجوما مكشوفا وعنيفا على الولايات المتحدة والرئيس بوش شخصيا استخدم فيها كلمتي «الفظاظة» و«البذاءة» لنعت الرئيس الامريكي. وهكذا يكون التصارع الأمريكي الايراني حول مستقبل الهوية السياسية لأفغانستان قد خرج من الخفاء الى العلن. إن ما ظل واضحا منذ تشكيل الحكومة الافغانية المؤقتة ان طهران تهدف الى توجيه الحكم في كابول. ولكن تحقيق هذا الهدف يتطلب بالضرورة أولا حمل الولايات المتحدة على تصفية وجودها العسكري والأمني والسياسي في الأراضي الافغانية. ومن هنا تكون حتمية الصدام إذا أخذنا في الاعتبار ان كل الشواهد لا تدل إلا على ان بقاء الولايات المتحدة في افغانستان كقوة رئيسية توجه مسار الأحداث وتتحكم فيها سوف يكون طويلا. فمن ينتصر إذن؟! رغم حتمية الصدام فإن من المستبعد ان يتخذ شكل اشتباكات عسكرية بين قوات امريكية وقوات ايرانية. وأغلب الظن ان وسائل الصراع بين الطرفين كما عليه الآن سوف تبقى كتنافس استخباراتي ومناورات سياسية. وعلى هذا النحو فإن نتيجة الصراع لن تكون على المدى البعيد لصالح الولايات المتحدة، فبالرغم من ان واشنطن هي اللاعب الأكبر في المسرح الافغاني بالمعنى العسكري، فإن طهران باتت، بعد غياب باكستان، القوة الخارجية ذات النفوذ الأعظم بكل أشكاله الثقافية والسياسية والدينية والتاريخية.