يؤكد نجاح دول الاتحاد الاوروبي في اصدار عملة اوروبية موحدة رغبتها في التحول الى تكتل اقليمي يكون له دور فاعل في النظام الدولي الجديد الذي لم تكتمل ملامحه النهائية بعد وتسيطر عليه الولايات المتحدة الامريكية. وقد كانت هذه الاخيرة حذرة جدا في اعلان ترحيبها عن خطوة دول الاتحاد الاوروبي الجديدة لأنها تعرف ان الدول الاوروبية كانت قد طالبت الولايات المتحدة الامريكية عقب تفكك الاتحاد السوفييتي بأن يكون لها حق الاشراف على الأمن الأوروبي لأنه لم يعد هنالك خطر يهدد أمنها مثلما كان الحال عليه ابان فترة الحرب الباردة. وكانت فرنسا في مقدمة الدول الاوروبية التي اعلنت صراحة عن تذمرها من الوجود الامريكي في أوروبا وبرأيها ان اوروبا التي تسير خطوات نحو تجسيد مشروعها الاندماجي قادرة على الدفاع عن امنها وامن المنطقة الاوروبية وعلى رأسهم فرنسا بخروجها من المنطقة الاوروبية بل عبرت اكثر من مرة عن رغبتها في ابقاء قبضتها على دول الاتحاد الاوروبي واتخذت في ذلك العديد من الخطوات التي ضيقت بها الخناق على الدول الأوروبية التي رأت الولايات المتحدة الامريكية انها بدأت تهدد مصالحها بشكل جدي. وهكذا لجأت الولايات المتحدة الامريكية الى افشال مبادرات دول الاتحاد الاوروبي في حل بعض النزاعات التي تقترب من المجال الاوروبي كالنزاع في كوسوفو كما اعطت ادوارا جديدة للحلف الاطلسي وذلك بالسماح له بالتوسع نحو الجنوب وبالتدخل في أي نزاع يهدد مصالح الولايات الامريكية وحلفائها، فاصبح مجال الحلف الاطلسي المفضل هو المنطقة الجنوبية من اوروبا حيث تتواجد مصالح فرنسا وايطاليا واسبانيا وهي الدول الاوروبية التي تقود التوجه الاوروبي الجديد نحو التحرر من المظلة الامريكية. يكفي ان الدول الثلاث أعلنت عن مشروع هيليوس الذي يستهدف حماية الامن الاوروبي ورأت الولايات المتحدة الامريكية ان المشروع يهدد مصالحها في المنطقة وزاد الوضع تعقيدا حين أعلنت فرنسا وألمانيا عن تشكيل قوة عسكرية مشتركة للرد السريع مهمتها احتواء النزاعات التي تهدد الأمن الاوروبي مستقبلا، فلم ترض الولايات المتحدة الامريكية عن هذه المبادرات وخاصة انها تزامنت مع ظرف دولي جديد تحاول فيه الولايات المتحدة الامريكية التفرد بالنظام الدولي الذي ترتب له ولا تريد ان يكون لأية قوة او كتلة دولية أي دور فاعل او مؤثر على مصالحها. ولذلك يعد المشروع الاوروبي بالنسبة اليها مشروعا مهددا لمصالحها الاستراتيجية المستقبلية، لأن نجاح اوروبا في تجسيد مشروعها الوحدوي يعني فيما يعنيه ان الولايات المتحدة الامريكية سوف تخسر منطقة هامة بالنسبة اليها كانت دافعت عنها قرابة الخمسين سنة ولذلك فهي لن تفرط فيها بل سوف تبذل جهودا كبيرة لاحتواء الاتحاد الاوروبي وذلك بتضييق الخناق عليه وعدم السماح للدول الاوروبية الفاعلة بأن يكون لها أي دور مؤثر في الحياة الدولية. وباستثناء بريطانيا التي لا تزال ترى ان تقربها من الولايات المتحدة الامريكية سوف يخدم مصالحها اكثر من اندماجها في التكتل الاوروبي بدليل انها آخر دولة اوروبية وافقت على مشروع العملة الاوروبية الموحدة، فان فرنسا تعد من اكثر الدول الاوروبية التي تطالب بضرورة التحرر من القبضة الامريكية وذلك لاعتقادها بأن بقاء أوروبا في الفلك الامريكي سوف يؤثر على مصالحها في المستقبل خاصة في الوقت الذي يجري فيه الترتيب لنظام دولي جديد لا تزال ملامحه لم تكتمل بعد وهذا ما يفسر لماذا لم تشارك اوروبا في الحرب التي قادتها الولايات المتحدة الامريكية في افغانستان مؤخرا بشكل مباشر خلافا لما كان عليه الحال في حرب الخليج الثانية. ان اوروبا لا تريد ان تكون تابعة كليا للقرارات الامريكية وتحاول جاهدة ان يكون لها نوع من الاستقلالية وتعرف جيدا ان الولايات المتحدة الامريكية لم تسمح لها بالاستقلالية او اتخاذ قرارات تعارض مصالح أمريكا، لذلك المنافسة بينهما على اشدها وان كانت لا تظهر على العلن فالجميع يسعى الى محاولة فرض وجوده وترسيخ دعائمه في النظام الدولي الجديد. ـ كاتب جزائري