أسوأ ما في الأزمة حول القمة العربية هو حدوثها في هذا التوقيت بالذات، وهو أمر يؤكد أمرا وحدا هو هذا القدر من اللامبالاة وعدم الشعور بالمسئولية الذي يسيطر على تحركاتنا ويجعلنا بحق أمة الفرص الضائعة!! كنا نظن - كما أوضحنا في الأسبوع الماضي - أن الأمر سيقتصر على تصريحات لمسئول لبناني كبير هو نبيه بري رئيس مجلس النواب تعكس دعوته لتأجيل القمة بضعة شهور حتى يتضح الموقف الدولي ويتراجع المناخ الضاغط على العرب وتزول الخشية من اضطرار القمة لاتخاذ قرارات ضد الانتفاضة والمقاومة استجابة للضغوط الأمريكية التي ترى ذلك ارهابا لابد من محاربته. كان الرجل يعكس وجهة نظر سياسية قد يكون وراءها ماوراءها ولكنها في النهاية وجهة نظر يمكن التعامل معها وحصار آثارها، خاصة اذا أعلنت دمشق معارضتها لها.. وهذا ماحدث، وإذا تحدث باقي الرئاسات والقيادات اللبنانية في الاصرار على عقد القمة في موعدها وفي مكانها واعداد كل شئ لإنجاحها.. وهذا ماأكده الجميع في لبنان، خاصة بعد أن أعلن بري نفسه أنه يعبر عن وجهة نظر شخصية، وانه لا يعكس رؤية طائفية، ولا يعبر عن رأي سوريا التي اثارت زيارته لها قبل اعلان موقفه من القمة التباسا حرص الجميع على تبديده. بالطبع.. كان لابد أن تثير تصريحات بري ماأثارته، وان تكون محور النقاش الذي شاركت فيه أطراف عديدة في لبنان وخارجها. ولكنه كان محكوما بالعوامل التي ذكرناها والتي جعلت الحوار يبدو الى حد كبير - عقلانيا، خاصة ان مااثاره بري من مبررات لدعوته لتأجيل القمة، كانت هي نفسها مبررات الاصرار على عقدها في موعدها، مع الأخذ في الاعتبار ان النقاش ـ وحتى هذه المرحلة - لم يكن يتناول مكان المؤتمر، فالكل متفق على العاصمة اللبنانية وفقا لقرار القمة السابقة التي اتخذت القرار تقديرا لكفاح الاشقاء في لبنان واحتفالا بنجاح المقاومة اللبنانية في دحر الاحتلال الاسرائيلي وتحرير الجنوب اللبناني، وهو مادعا دولة الامارات لأن تتنازل عن دورها في استضافة القمة للبنان الشقيق. للأزمة أبعاد الحديث عن خلافات عربية تمنع التئام القمة في موعدها مردود عليه بأن الخلافات لن تنتهي، وهي أدعى لانعقاد القمة لتبحث وتدرس أسباب الخلاف وتحاول تصفية المواقف والبحث عن أرضية تتسع يوما بعد يوم للعمل المشترك. ولعل هذا هو أهم الاسباب وأكبر المكاسب من قرار انعقاد القمة بصفة دورية لأنه يوفر استمرارية انعقادها ويتيح الفرصة لحل المشاكل أو - على الأقل - منع تصاعدها. والحديث عن انتظار التحسن في المناخ الذي يسود أمريكا والغرب بعد أحداث 11 سبتمبر هو - حتى الآن - من أحاديث التمني. فموجة العداء للعرب والاسلام مازالت مستمرة - والحملة الصهيونية لاستغلال الأحداث والصاق تهمة الارهاب بالعرب تمضي في سبيلها لتلتقي مع أهداف السياسة الأمريكية التي تريد تحقيق السيطرة التامة على المنطقة وقمع أي أصوات تقف حجر عثرة في سبيل وضع الخريطة الأمريكية الجديدة للمنطقة موضع التنفيذ. والحديث عن ضرب العراق تخطى مرحلة الاحتمالات ليصبح السؤال هو متى؟ وربما لا يأتي موعد القمة الا بعد أن تكون الضربات الأمريكية قد استهدفت أكثر من بلد عربي. وانتظار بضعة شهور - وسط الصمت العربي - لن يعني الا ان تنعقد القمة بعد استكمال أمريكا لمهماتها.. ربما رفعا للعتب وضعا للاحراج! والخشية من خضوع العرب للضغط الأمريكي، والتصديق على قرار واشنطن باعتبار المقاومة اللبنانية والفلسطينية ارهابا هو أمر لا تقوى عليه الحكومة العربية حتى وان كان بعضها يريده. لانها تعرف أن معناه هو الصدام مع الشارع العربي والانجرار الى حروب أهلية لا يعلم إلا الله مداها ونتائجها. وهكذا لم تكن دعوة بري تحمل خطرا كثيرا، وكان التعامل معها يسيرا خاصة بعد أن بدأت التحركات لتقريب وجهات النظر بينه وبين الرئيس لحود والحريري على أرضية مصلحة لبنان ومصلحة العرب من انعقاد القمة في موعدها وفي مكانها، وتنحية الخلافات الداخلية حتى لا تشكل عائقا امام هذه المهمة. لكن الموقف تعقد بعد ذلك بعد تصريحات منسوبة لقيادات شيعية لبنانية تؤكد ان العقيد القذافي لن يستطيع دخول لبنان الا بعد كشف مصير الامام الصدر امام الشيعة اللبنانيين ومؤسس حركة أمل الغائب منذ اكثر من عشرين سنة، والتي تتهم حركة أمل المسئولين في ليبيا بأنهم وراء اختفائه. وجاء الرد الليبي سريعا بطلب رسمي بنقل القمة من بيروت الى القاهرة.. وتتخذ الأزمة أبعادا جديدة، وتبدأ الجهود لتطويقها قبل أن يتسع مداها. والسؤال الذي يطرح نفسه مرة أخرى: لماذا.. ولمصلحة من هذه الأزمة وهل فكر الذين اثاروها في مدى الضرر الذي يمكن أن يلحق بلبنان وبالعمل العربي بسببها؟! بالطبع.. من حق الاشقاء في حركة أمل أو خارجها أن يثيروا قضية اختفاء الامام الصدر، وان يظلوا يسألون عن مصيره، وان ينتظروا الاجابة التي تكشف سر اختفائه. ومن حقهم أن يتوجهوا بأسئلتهم الى الاشقاء في ليبيا بالنظر الى الملابسات التي اكتنفت اختفاء الامام الصدر اثناء رحلته الى ليبيا. ولكن ذلك لا يعطي لأحد مهما كان الحق في تخريب القمة ومنع انعقادها في هذه الظروف العصيبة، بكل ما يحمله ذلك من آثار سلبية على لبنان الشقيق الذي ينتظر القمة لتكون تكريما لنضاله وعلامة على استقرار الأمور فيه وتأكيدا للدعم العربي له حربا وسلما. وبكل ما يحمله ذلك من عواقب على العمل العربي المشترك الذي يرى في القمة نقطة انطلاق جديدة باعتبارها القمة الأولى بعد قرار انعقادها بصفة دورية، وبكل ما يمثله ذلك من مخاطر على الأوضاع العربية التي تنتظر هذه القمة لكي تبلور رؤية موحدة في التعامل مع الظروف الجديدة والخطيرة التي تنذر بأوخم العواقب اذا لم نتعامل معها بالجدية الواجبة. أصابع خارجية على الجانب الآخر، فمن حق الاشقاء في ليبيا ان يغضبوا لما صدر من تصريحات، ولكن لماذا التسرع في طلب نقل القمة الى القاهرة؟ ولماذا يكون التأكيد على أن عددا من الرؤساء اتفق مع ليبيا على توفر الأمن المطلوب لعقد القمة في لبنان، وهو أمر - لو صح - لما اقتصرت آثاره على نقل القمة من بيروت، بل امتدت لتشمل اضرارا سياسية واقتصادية كبيرة للقطر العربي الذي يحتاج لكل يد عربية لتساعد وتدعم وتحمي؟! وليس من شك في أن أطرافا كثيرة ستحاول اشعال الموقف وتحويل الخلاف الى أزمة وانقسام جديد في الصفوف العربية. أطراف خارجية لا تريد للصف العربي أن يلتئم، وسبق لها ان وضعت كل العراقيل امام انعقاد القمة، ومارست كل الضغوط ونجحت بالفعل في تعطيل القمة وفي دق الأسافين لكي لا تتم المصالحة التي بدت قريبة في بعض الأوقات بين العراق والكويت، ولكي لا تتخذ الدول العربية موقفا موحدا من تطورات مهمة على الساحة العربية والاقليمية والدولية. هذه الأطراف الدولية ستمارس مهمتها في توسيع رقعة الخلاف، وسيساعدها أن هناك أطرافا عربية تريد التهرب من المسئولية وتخشى من موقف تكون فيه امام خيار صعب بين أمرين: أن تنصاع للضغوط الأمريكية فتوافق على تصفية الانتفاضة الفلسطينية ووصم المقاومة بأنها ارهاب، وتغمض العيون عن الضربة الأمريكية المتوقعة للعراق، وتقبل الرضوخ للمواصفات الأمريكية الجديدة التي تتطلب تغييرات اساسية لتشمل كل شيء من النظم السياسية والاقتصادية حتى تغيير كتب الدين في المدارس العربية! أو أن تؤكد على حقها المشروع في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، وترفض الصاق تهمة الارهاب بمنظمات المقاومة، وتطالب أمريكا - اذا كانت حريصة على مصالحها في المنطقة - بموقف عادل من الصراع العربي - الاسرائيلي، وتطالب الغرب باعادة النظر في النهج الذي يسير عليه باستمرار الحملة على العروبة والاسلام والتي تهدد بصدام حقيقي ستكون له أوخم العواقب على الجميع. انعقاد القمة في مكانها وفي موعدها ليس خبرا سارا لكل هذه الأطراف التي تراهن على تشتت العرب وتعمل على استمرار فرقتهم، ولكنه خبر سار بالنسبة لنا حتى ونحن نعرف انه لن يحقق المعجزات ولن ينجز المستحيل. إن أطراف الأزمة جميعا لابد أن يدركوا أن عدم انعقاد القمة في موعدها أو في مكانها هو اكثر من خطأ مميت في حق الأمة العربية. متغيرات دولية أما الموعد فقد انتظرناه طويلا، وتجاوزنا عن عدم انعقاد قمة طارئة لمواجهة أحداث جسام مثل أحداث 11 سبتمبر بكل تداعياتها على المنطقة ومثل تصاعد العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني والدعم الأمريكي له. تجاوزنا عن الكثير على أمل ألا نضع ألغاما في طريق القمة الاعتيادية التي يضاعف من أهميتها انها القمة الأولى بعد قرار دورية اجتماعات القادة والرؤساء العرب.. فهل يعقل بعد ذلك أن يرجأ العادي بعد أن تجاوزنا الطارئ وغير العادي؟ وهل سيكون ذلك - مهما كانت الاسباب - الا هروبا من مواجهة الموقف عجزا عن التعامل مع المتغيرات الدولية الاقليمية واقرارا بالفشل العربي الذي قادنا الى أكثر من مأزق. وأما المكان فلا ينبغي تغييره بأي حال من الأحوال ومهما تحمل الاشقاء في سبيل ذلك. ان انعقاد القمة في بيروت ليس فقط تكريما لنضال شعب ولا احتفالا بانتصار المقاومة اللبنانية كما أرادت القمة السابقة، ولكنه يكتسب - في ضوء التطورات المهمة الاخيرة - أبعادا جديدة، فيصبح تأكيدا على رفض التوجه الأمريكي لاعتبار منظمات المقاومة العربية في لبنان وفلسطين منظمات ارهابية، ومهما كانت الضغوط فلن تستطيع الدول العربية ان تعلن من بيروت أن المقاومة المشروعة للاحتلال الاسرائيلي مرفوضة ومدانة.. لأن واشنطن قررت ذلك! فليتحمل الجميع بشجاعة مسئولياتهم.. فلا مكان للهروب من المسئولية والعرب يواجهون موقفا مصيريا بمعنى الكلمة. وليعبر الاشقاء على جراحهم مهما كانت يفتح الباب لجراح أشد تنكيلا.. والجسد العربي لم يعد يتحمل. وليكن انعقاد القمة في مكانها وفي موعدها هو الخيار الوحيد، فلعل مثل هذا القرار يمنع البعض من تنفيذ مخططاتهم التي تستهدف اختفاء دول عربية من الخارطة بالصدارة التي نعرفها، ولعل مثل هذا القرار يعيد الثقة في أن النظام العربي - رغم كل السلبيات - قادر على مواجهة التحديات، وعبور الأزمات، والالتقاء في نقطة يدرك فيها كل الفرقاء أن ماينتظرهم - اذا استمرت الأوضاع الحالية - هو مصير الهنود الحمر أو مصير الأفغان الذين كانوا ذات يوم أمة من المجاهدين!! ـ نائب رئيس تحرير «اخبار اليوم» المصرية