ستكون انتخابات الكونجرس الامريكي هذا العام انتخابات مهمة لاسباب عديدة، فمع تمتع الجمهوريين داخل مجلس النواب بأغلبية ستة مقاعد عن الديمقراطيين، وزيادة الديمقراطيين بمقعد واحد داخل مجلس الشيوخ عن الجمهوريين يمكن ان تشهد الانتخابات المقبلة عدداً محدداً من الانتصارات لصالح احد الطرفين يؤدي الى ان يتغير اتجاه الادارة بأكمله. السيطرة على احد المجلسين تأتي معها بسلطة ادارة اللجان التابعة لهذا المجلس وتحديد البرنامج التشريعي، وتعيين موظفين رئيسيين في الكونجرس وجعل الحياة السياسية للرئيس بوش اما سهلة او صعبة. عندما فقد الجمهوريون سيطرتهم على مجلس الشيوخ عام 2001م، تجرع بوش هزيمة كبيرة، وقام عضو مجلس الشيوخ جيمس جيفوردز من ولاية فيرمونت والذي كان طوال عمره منتمياً للحزب الجمهوري بالتخلي عن حزبه الذي قضى عمره في مناصرته وتحول الى عضو مستقل، واعلن انه سيصوت لصالح الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، حيث قال ان الحزب الجمهوري اصبح متحفظاً لدرجة التشدد «التطرف بشكل زائد عن الحد». وفي لحظة اصبح عضو مجلس الشيوخ عن الديمقراطيين توم داشل زعيم الاغلبية في مجلس الشيوخ وحل محل الديمقراطي ترينت لوت، وتحكم الديمقراطيون في كل لجان مجلس الشيوخ، وفقد الرئيس بوش قدرته على تحريك تعييناته وتشريعه بسهولة من خلال مجلس الشيوخ. لن يخوض الرئيس الامريكي الانتخابات هذا العام وهذه الانتخابات يطلق عليها وصف انتخابات نصف الولاية اي الانتخابات التي تجري في منتصف فترة الولاية الرئاسية والتي تبلغ اربعة اعوام. غير ان هذه الانتخابات تخص من وجوه عديدة الرئيس وسياساته. مع الشعبية التي اكتسبها بوش بفعل الحرب، والتي وصلت الى ان 90% من الشعب الامريكي يؤيده، يأمل الجمهوريون في ان يستفيدوا من تلك الاضواء التي يتمتع بها الرئيس فهم يريدون من الناخبين ان ينظروا الى الانتخابات على انها تأييد وتفويض للرئيس، واذا هي بالفعل كذلك فإنهم يشعرون بأنهم بوسعهم حينئذ ان يستعيدوا السيطرة على مجلس الشيوخ ويقوموا بتوسيع نطاق تحكمهم في مجلس النواب. وتشجع عمليات استطلاع الرأي التي اجريت في الاشهر القليلة الماضية الجمهوريين، فقبيل احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي، اظهرت استطلاعات الرأي ان الناخبين يفضلون الديمقراطيين بفارق يتراوح من 5% الى 8% غير ان الاستطلاعات الاخيرة تظهر الآن ان الجمهوريين يستفيدون من تزايد شعبية بوش، فالحقائق تقول ان الجمهوريين الآن يتفوقون على الديمقراطيين بما يزيد على 15%. وبدورهم يركز الديمقراطيون على استراتيجية يحاولون من خلالها الفصل بين حرب الرئيس على الارهاب وسياساته الاقتصادية والاجتماعية، وهذا هو ما يراهنون عليه في انتخابات نوفمبر المقبل. وجاءت الجولة الاولى لتلك الاستراتيجية منذ حوالي الاسبوع، عندما شن عضو مجلس الشيوخ داشل هجوماً لاذعاً على برنامج الرئيس الاقتصادي، وفي ضوء الشعبية التي يتمتع بها بوش الآن، كان الامر بمثابة مخاطرة. بدأ داشل بانتقاد اقتراح بوش لخفض الضرائب بما يصل الى 1.3 تريليون دولار، مشيراً الى ان هذا يقتطع بشكل كبير من الاحتياطات الفيدرالية السنوية ويعيد الولايات المتحدة الى مرحلة التمويل بالعجز وكنتيجة لحالة الضعف التي تنتاب الاقتصاد الامريكي فإنه يحتمل ازدياد تدني الاحتياطي الفيدرالي الامر الذي يحول دون قيام الكونجرس بتمويل البرامج التي يمكنها دعم هؤلاء الاكثر تأثراً بعملية الركود المتزايد. على الفور قام بوش بالرد، ضاربا على الوتر نفسه الذي اكده سابقا، وهو ان خفض الضرائب سيؤدي الى ضخ مزيد من الاموال في ايدي الشعب، وهو الامر الذي يراه الاجراء الامثل لاعادة النمو الى الاقتصاد، وانتقد الرئيس فضلا عن ذلك رفض داشل لاقتراح خفض الضرائب، مؤكداً انه لن يسمح بأي زيادة في الضرائب «إلا على جثتي» على حد قوله. استشعر الديمقراطيون بعض الارتياح ازاء نتائج بعض استطلاعات الرأي التي اجريت مؤخراً، وجاءت في صالح استراتيجيتهم. فأحد استطلاعات الرأي تلك اوضح انه بعد الارهاب فإن الاقتصاد يعد الشغل الشاغل للناخب الامريكي، واستطلاع آخر بين انه على الرغم من ان الناخبين اعطوا الرئيس تقديرات عالية، فإنه اذا لم يتحسن الاقتصاد بعد فترة، ولم يتم البدء في البرامج الاجتماعية التي يحتاجها الشعب، فإن التقديرات التي يحظى بها بوش يمكن ان تنخفض بشكل كبير. وفي ضوء الانقسامات الايديولوجية الحادة حول تلك السياسات الاجتماعية والاقتصادية، فإن تلك القضايا لا السياسة الخارجية هي التي ستشكل ارضية المعترك التي ستجري عليها انتخابات 2002. هكذا فإن السباق سيجري حتى نوفمبر المقبل فيما ينبغي ان يكون تنافساً مدهشاً تكتنفه مخاطر كبيرة للحزبين كليهما. هناك نقاط قليلة اضافية يتعين طرحها حول انتخابات 2002: 1 ـ لم تكن الانتخابات الرئاسية الامريكية لعام 2000 الأكثر احتداما في التاريخ فحسب ولكن اصوات الناخبين في انتخابات مجلس الشيوخ والكونجرس للعام نفسه كانت ايضا متقاربة بشكل غير عادي، وبينما كان نصف في المئة فقط هو الفارق بين جور وبوش، فإن الفرق نفسه كان سيفرض نفسه اذا قام احد بجمع جميع الاصوات وتلك التي اعطيت لنظرائهم من الجمهوريين. ففي واقع الامر هناك انقسام مطلق تقريبا في الدعم المادي يتلقاه الحزبان كلاهما الامر الذي بلا شك سيؤثر على انتخابات 2002 حيث سيكون الحزبان كلاهما منغمسين في منافسة حادة من اجل السيطرة على الكونجرس. 2 ـ هذا هو عام اعادة التوزيع، وهو امر تقوم به الولايات المتحدة كل عشرة اعوام من الزمن، فهناك 435 عضوا في مجلس النواب، وعدد اعضاء الكونجرس بالنسبة لكل ولاية يجب ان يكون متناسباً مع سكان كل ولاية. فكل عشرة اعوام تقوم الولايات المتحدة بعمل تعداد رسمي للسكان حتى يتسنى احصاء عدد اعضاء الكونجرس المتخصصين لكل ولاية اثناء العقد المقبل وبعد اكتمال التعداد فإن تلك الولايات التي توجد بها مظاهر زيادة نسبية في عدد السكان تتلقى مقعدا او مقاعد اضافية في الكونجرس، وتلك التي توجد بها بوادر انخفاض في السكان تفقد مقعداً او مقاعد في الكونجرس. وحيث ان مقاعد الكونجرس تم انتخابها على مستوى الدوائر او المناطق فإن التغيرات السكانية تعني ان كل ولاية يجب ان تعيد رسم دوائر لها في الكونجرس، وتقوم بعمل وايجاد دوائر جديدة اذا اقتضى الامر وتتخلص من البعض وتضم البعض الآخر، وذلك حتى يكون متوسط عدد السكان في الدائرة الواحدة متماثلا تقريبا في كل انحاء الدولة. هذا العام، وكنتيجة للتغيرات السكانية المسجلة في التعداد السكاني لعام 2000، فإن هناك 12 مقعداً اضافيا في الكونجرس سيتم اضافتها في ثماني ولايات، بينما ستفقد تسع ولايات 12 مقعدا في الكونجرس والولايات التي ستزيد مقاعدها في الكونجرس معظمها في الجنوب والغرب، بينما الولايات التي ستفقد مقاعد معظمها في الشرق والغرب الاوسط. من ضوء قواعد اعادة التوزيع تلك في الولايات التي ستتأثر به، فإنه يتعين رسم خرائط برلمانية جديدة قبل نوفمبر 2002 ولانه في اغلب الاحوال سيتم هذا من قبل الهيئات التشريعية في الولايات ويصدق عليه حكام تلك الولايات ولان الجمهوريين يحظون بتفوق في عملية التحكم في الهيئات التشريعية وحكام كثير من الولايات التي ستتأثر بعملية اعادة التوزيع تلك، فإنه ربما يبدو ان الحزب الجمهوري هو الحزب الذي يمكن ان يكون له هامش تفوق في تحديد الخرائط البرلمانية الجديدة التي سوف يتم بموجبها تفضيل وتميز مرشحي هذا الحزب. 3 ـ حتى مع اعادة التوزيع تلك فإن معظم الخبراء يتوقعون ان عدد السباقات التنافسية سيكون قليلا للغاية، حيث تشير التقديرات الى ان هناك من 25 الى 30 مقعدا فقط من بين 435 مقعدا هي التي ستكون المنافسة عليها محتدمة، اما باقي المقاعد فسوف تبقى في قبضة الحزب الذي سيطر عليها حاليا. في مجلس الشيوخ سيكون التنافس تبعا للتقديرات على اشده في ستة مقاعد فقط من بين 33 مقعدا يجري التنافس عليها. 4 ـ يعتمد الديمقراطيون على تقليد يعود الى 50 عاما ويفرض نفسه هذا العام ففي الانتخابات النصفية التي تجري بعد مرور النصف الاول من فترة ولاية الرئيس الجديد، فإن حزب الرئيس يفقد مقاعده في الكونجرس، ويحدث هذا الامر منذ انتخابات ايزنهاور عام 1952، وسوف يذكر كيف تمكن الجمهوريون من التحكم في مقاليد الامور عام 1994 اثناء النصف الاول من ولاية كلينتون، ويأمل الديمقراطيون ان يكون 2002 هو عامهم. وفي نهاية المطاف يبدو ان عددا محدودا من السباقات الانتخابية سوف يحدد شكل الادارة الامريكية وملامحها اثناء العامين المقبلين وسيتم انفاق مبالغ كبيرة من المال وسيولى قدر كبير من الاهتمام والتركيز لتلك السباقات لان المخاطر جمة للغاية. ـ رئيس المعهد الامريكي العربي