أي دافع قوي ذلك الذي جعل عالماً وفقيهاً محدثاً في وزن ابن حزم الأندلسي يضع كتاباً بين ما ألف في الفقه والإمامة والمفاضلة بين الصحابة يخصصه للحديث عن صفة الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه وما يقع منه، وله على سبيل الحقيقة، لا متزيداً ولا مفنناً، لكن مورداً لما يحضره على وجهه وبحسب وقوعه، حيث انتهى حفظه وسعة باعه فيما يذكره كما يقول في مقدمته؟ ولا يخيل على فطن ما أورده عالمنا في تبريره لوضع هذا الكتاب من انه استجابة لطلب صديق له بألمرية أرسل له يكلفه بتصنيف رسالة في هذا الموضوع، فقد أرجع المحققون الذين أشرفوا على طباعة «طوق الحمامة في الألفة والآلاف». وضع ابن حزم لهذا المصنف الذي يعد من الفرائد إلى نشأته نشأة مترفة في قصر أبيه الذي تولى الوزارة للدولة العامرية فكان الوزير «المعقل في زمانه والراجح في ميزانه» ذلك القصر الذي كان يقع في الجانب الشرقي من قرطبة في الشارع الآخذ من النهر الصغير على الدرب المتصل بقصر الزاهرة، تلك المدينة المترفة، التي بناها الحاجب المنصور ونقل إليها وزراءه ورجال دولته، فكانت غاية في الجمال، ذات أثر كبير في الحركة الأدبية. نشأ أبو محمد ـ كما يقول الدكتور محمد أمين فرشوخ الذي اعتنى بالطبعة التي أنقل منها ـ بين مظاهر الغنى والجمال، وكان والده يعنى بتربيته وتثقيفه، فوضع عليه المربين و الرقباء. ويروي ابن حزم عن طفولته وصباه ما يفيد انه كانت ترعاه نساء كثيرات، أمضى بينهن فترة طويلة من حياته، فرهف ذوقه، واشتعل وجدانه، وتطبعت نفسه بحب الجمال، وتفتحت حواسه على الكثير من أفانين الحب. فلعل في «طوق الحمامة» شبه سيرة لتلك الفترة التي عاشها ابن حزم مخالطاً للجواري في قصر أبيه، حيث أحب ونعم بحياة مترفة بين أنواع الجمال الأنثوي والمادي والفني. ولعل فيه ـ وقد ألفه وهو مقيم في شاطبة ـ استرجاعاً لصور الماضي: صور الجاه والغنى والحياة المترفة، صور النساء اللواتي عرفهن والحب الذي استمتع به، صور أصحابه وما نقلوه إليه، صور المرأة في كل أحوالها.. ما يريحه من واقعه القاسي بعد ان اصطلى بنيران القوى المتناحرة بعد زوال دولة بني عامر، ودخوله السجن متهماً بالسعي لاستعادة الدولة الأموية، ثم تكرار تجربة السجن مرة أخرى في قرطبة، بعد ان استوزره المستظهر قبل ان ينسحب من ميدان السياسة وينصرف للعلم والدين. يقول ابن حزم في الباب الأول من كتابه الذي أراده مصوراً للبيئة الأندلسية التي عاشها وعرفها جيداً: الحب ـ أعزك الله ـ أوله هزل وآخره جد، دقت معانيه لجلالتها عن ان توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة، وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عز وجل، وقد أحب من الخلفاء المهديين والأئمة الراشدين كثير. وبعد ان يورد أسماء بعضهم يقول: «ولولا أن حقوقهم على المسلمين واجبة، وإنما يجب ان نذكر من أخبارهم ما فيه الحزم واحياء الدين، وإنما هو شيء كانوا ينفردون به في قصورهم مع عيالهم، فلا ينبغي الاخبار به عنهم لأوردت من أخبارهم في هذا الشأن غير قليل. وأما كبار رجالهم ودعائم دولتهم فأكثر من ان يحصوا». ثم يتحدث عن عدد من الصالحين والفقهاء في الدهور الماضية والأزمان القديمة ليخلص إلى ان (الحب ـ أعزك الله ـ داء عياء، وفيه الدواء منه على قدر المعاملة، وسقام مستلذ وعلة مشتهاة، لا يود سليمها البرء، ولا يتمنى عليلها الافاقة، يزين للمرء ما يأنف منه، ويسهل عليه ما كان يصعب عنده، حتى يحيل الطبائع المركبة، والحيلة المخلوقة). وفي الباب الثاني يفصل ابن حزم علامات الحب فيقول ان للحب علامات يقفوها الفطن، ويهتدي إليها الذكي، فأولها ادمان النظر، والعين باب النفس الشارع.. ومنها الاقبال بالحديث، فما يكاد يقبل على سوى محبوبه، ولو تعمد ذلك، وان التكلف ليستبين لمن يرمقه فيه، والانصات لحديثه اذا حدث، واستغراب كل ما يأتي به، ولو انه عين المحال، وخرق العادات، وتصديقه وإن كذب، وموافقته وإن ظلم.. ومنها اضطراب يبدو على المحب عند رؤية من يشبه محبوبه أو عند سماع اسمه فجأة، من علاماته وشواهده الظاهرة لكل ذي بصر: الانبساط الكثير الزائد، والتضايق في المكان الواسع، والمجاذبة على الشيء يأخذه أحدهما، وكثرة الغمز الخفي، والميل بالاتكاء والتعمد لمس اليد عند المحادثة، ولمس ما أمكن من الأعضاء الظاهرة، وشرب الفضلة وما أبقى المحبوب في الإناء، وتحري المكان الذي قابله فيه. ومنها علامات متضادة.. فنجد المحبين إذا تكافيا في المحبة، وتأكدت بينهما تأكداً شديداً كثر تهاجرهما بغير معنى، وتضادهما في القول تعمداً، وخروج بعضهما على بعض في كل يسير من الأمور، وتتبع كل منهما لفظة تقع من صاحبه، وتأولها على غير معناها، كل هذه تجربة ليبدو ما يعتقده كل واحد منهما في صاحبه.. فلا تلبث ان تراهما قد عادا إلى أجمل الصحبة وهُدرت المعاتبة، وسقط الخلاف، وانصرفا في ذلك الحين بعينه إلى المضاحكة والمداعبة، هكذا في الوقت الواحد مرارا. ويعرض في الحب سوء الظن، واتهام كل كلمة من أحدهما، وتوجيهها إلى غير وجهها، وهذا أصل العتاب بين المحبين، واني لأعلم من كان أحسن الناس ظناً، وأوسعهم نفساً، وأكثرهم صبراً، وأشدهم احتمالاً، وأرحبهم صدراً، ثم لا يحتمل ممن يحب شيئاً، ولا يقع له مع أيسر مخالفة، حتى يبدي من التعديد فنوناً، ومن سوء الظن وجوهاً. ويمضي ابن حزم بعد ذلك معدداً طرق ايصال المحبة، فيذكر منها التعريض بالقول والاشارة بالعين والمراسلة والسفير. ويذكر من آفات الحب: العاذل والرقيب والواشي والهجر والغدر والبين والضنى والموت، ويستشهد في كل باب بالعديد من الاخبار والحكايات مستمداً ذلك من معايشة فعلية يعبر عنها قائلاً: «ولقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري، لأني ربيت في حجورهن، ونشأت بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن، ولا جالست الرجال إلا وأنا في حدّ الشباب، وحين تقبل وجهي، وهن علمنني القرآن، وروّينني كثيرا من الأشعار، ودرّبنني في الخط، ولم يكن وكدي وإعمال ذهني منذ أول فهمي، وأنا في سن الطفولة جداً إلا تعرّف اسبابهن، والبحث عن أخبارهن، وتحصيل ذلك، وأنا لا أنسى شيئًا مما أراه منهن، وأصْلُ ذلك غيرة شديدة طُبِعْتُ عليها وسوء ظن في جهتهن فُطِرْتُ به، فأشرفت من أسبابهن على غير قليل». ويختتم ابن حزم كتابه بشبه اعتذار دافعاً سوء الظن حيث يقول: «وأنا أعلم انه سينكر علي بعض المتعصبين تأليفي لمثل هذا، ويقول: خالف طريقته وتجافى عن وجهته، وما أُحلّ لأحد ان يظن فيّ غير ما قصدته». ولسنا من أولئك الذين ينكرون عليه ذلك، فقد ترك لنا أثراً جميلاً في باب يحجم كثير من العلماء عن طرقه، وطوّق أعناق المحبين بكتاب فيه من المتعة والجمال فوق ما في جمال الطوق حول عنق الحمامة، إن كان قد قصد ذلك.. أما إن كان الطوق أمنية من أماني الرجال تحاط به أعناق النساء، فذاك أمر بعيد المنال، فرقابهم هي المطوقة به شاؤوا ذلك أم أبوا، وهو على كل حال طوق جميل، من ذا الذي يجرؤ على كسره؟ بل من ذا الذي يفكر في كسره وهو يعلم ان ذلك ضرب من الخيال، أو هو عين المحال؟!