الادارة الامريكية تحبذ التدخل كطرف ثالث في الازمة الهندية الباكستانية بمعنى حمل الطرف الباكستاني على ملاحقة قادة حركات التحرر الكشميرية وتصفية هذه الحركات باسم مكافحة الارهاب لكنها في الوقت نفسه تعزف عن التدخل اذا كان يعني ان تعرض الولايات المتحدة نفسها كوسيط سلام بين الدولتين الجارتين للمساعدة في تحقيق تسوية سياسية سلمية لمشكلة كشمير المزمنة، وهذه اعلى درجات النفاق. لقد ظلت الولايات المتحدة لمدى عقود متصلة تتخذ موقفا صريح العداء لقضية الشعب الكشميري المسلم انطلاقا من ثوابتها المنبثقة من اعتبارات الامن الاسرائيلي فلو اتيح لشعب كشمير ان يقرر مصيره بنفسه وفق استفتاء عام تحت اشراف دولي، كما تنص بذلك قرارات صادرة عن مجلس الامن الدولي منذ اواخر اربعينيات القرن الماضي فانه سوف تقوم في جنوب اسيا دولة اسلامية جديدة تتخذ من تحرير فلسطين والقدس مرتكزا لسياستها الخارجية. وحتى بعد تداعيات احداث 11 سبتمبر وما نتج عنها كاستقطاب امريكي لباكستان لتستثمر واشنطن الرصيد الباكستاني في الحملة ضد نظام طالبان في افغانستان وملاحقة قيادات واعضاء تنظيم «القاعدة» فان الموقف الامريكي العدائي تحت قضية شعب كشمير لم يتغير، ونذكر ان وزير الخارجية الامريكية كولن باول اعلن بعد نحو شهر من احداث سبتمبر ان الحملة العالمية الامريكية ضد «الارهاب» سوف تطال ايضا ثوار كشمير. ومن ثم وضعت اسماء التنظيمات النضالية الكشميرية على اللائحة الامريكية للمنظمات «الارهابية». ولنعد للوراء قليلا. منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي وحتى اوائل السبعينيات كانت باكستان الحليف العسكري الرئيس للولايات المتحدة في جنوب اسيا على عهد الحرب الباردة وصراعها الطويل بين الغرب والشرق. وبناء على هذه العلاقة التحالفية الاستراتيجية دخلت باكستان عضوية اهم حلفين غربيين تحت القيادة الامريكية بعد حلف ناتو، وهما «حلف بغداد» (اطلق عليه لاحقا الحلف المركزي) وحلف «سيتو» وكلاهما كان موجها ضد حركات التحرر في العالم العربي وآسيا على التوالي. رغم هذا الارتباط الاستراتيجي القوي لباكستان مع الولايات المتحدة فان باكستان افتقدت صديقها عندما احتاجت اليه، ففي الحربين اللتين اندلعتا بين باكستان والهند بسبب كشمير، الاولى في عام 1965 والثانية في عام 1971 كان العامل الرئيسي للهزيمة الباكستانية في كلا الحربين هو ان الحليف الامريكي نأى بنفسه، فقد اوقفت الولايات المتحدة امداد حليفها بقطع غيار الاسلحة والذخيرة علما بان نظام التسليح السائد في القوات المسلحة الباكستانية آنذاك كان بطبيعة الحال امريكيا، ونعلم الآن ان هاتين الكارثتين اللتين منيت بهما باكستان بسبب جحود الحليف الامريكي هما اللتان مهدتا الطريق لتوجه باكستان صوب الصين كحليف عسكري بديل. لقد قررت الولايات المتحدة في ذلك الحين حرمان باكستان من الانتصار لان انتصارا باكستانيا حاسما كان سيعني تحرير كشمير مما يتناقض مع ثوابت الاجندة الامريكية تجاه المنطقة المبنية على اعتبار أمن الدولة الاسرائيلية، من هنا نفهم ايضا لماذا استهدفت الولايات المتحدة ولا تزال تستهدف البرنامج النووي الباكستاني مع غض النظر عن نظيره الهندي لان القوة النووية الباكستانية كما القوة النووية العراقية والقوة النووية الايرانية يمكن ان تشكل خطرا مصيريا على اسرائيل. الآن، ومع تجدد الازمة بين الهند وباكستان وتصاعدها الى درجة تهدد باحتمال اندلاع حرب جديدة تحاول الولايات المتحدة التمويه على موقفها الثابت بادعاء الحياد بين الطرفين عن طريق دعوتهما معا الى «ضبط النفس» لكنها خدعة ساذجة، فالدعوة الى «ضبط النفس» تترافق معها ضغوط متصلة على الطرف الباكستاني للتحرك ضد «خطر التنظيمات الارهابية» اي قمع حركات التحرر الكشميرية.