لم تكد الحرب الأمريكية على أفغانستان تشتعل حتى كانت قوة إسرائيلية من ضباط المخابرات والأمن و(مكافحي الإرهاب) قد تم نقلها على وجه السرعة لدعم أوزبكستان (في مواجهة أي هجوم إرهابي محتمل. لكن القوة الإسرائيلية لم تسافر إلى أوزبكستان مباشرة، بل توجهت إلى قيرغيزستان المجاورة أولا، حتى لا تكون في (مقدمة الصورة)، على أن يتم نقلها فيما بعد إلى أوزبكستان (صحف 10 أكتوبر 2001). وتشير هذه الواقعة بوضوح إلى أن الأطراف المعنية كانت حريصة، في بداية الحرب على الأقل، على عدم كشف مشاركة إسرائيل في العمليات العسكرية والمخابراتية الجارية في المنطقة، تحاشيا للتداعيات السلبية التي يمكن أن تترتب على افتضاح أمر مثل هذه المشاركة. لكن الحقيقة الأهم التي تشير إليها هذه الواقعة هي عمق العلاقات بين أوزبكستان وإسرائيل، ووصولها إلى درجة التعاون العسكري والأمني الوثيق، الذي لم يكن وجوده ممكنا إلا كتتويج لتغلغل صهيوني سياسي واقتصادي وثقافي واسع النطاق في هذا البلد المسلم. لقد تنبهت إسرائيل إلى الأهمية الاستراتيجية الكبرى لآسيا الوسطى السوفييتية (سابقا) منذ بدء تصدع الاتحاد السوفييتي. وأعطت الدولة الصهيونية اهتماما خاصا لأوزبكستان أكبرها من حيث عدد السكان (24 مليونا) وثانيتها من حيث مستوى التقدم الصناعي والعلمي والتكنولوجي بعد كازاخستان، وفضلا عن ذلك فإن أوزبكستان كان بها وقت سقوط الإتحاد السوفييتي (120) ألف يهودي، نجحت إسرائيل حتى الآن في تهجير أكثر من 70 الفا منهم وعلاوة على ذلك كله تتمتع أوزبكستان بثروات طبيعية كبيرة من الذهب والفضة واليورانيوم والنحاس والزنك فضلا عن الغاز الطبيعي والنفط والفحم وغيرها. وهي تعتبر سادسة دول العالم في إنتاج الذهب (70 طنا سنويا)، ورابعتها من حيث احتياطيات ذلك الخام الفضي (4 ملايين طن) ويشير كتاب صادر عن الصندوق الاجتماعي للتنمية بمصر، وصندوق التعاون الفني مع دول الكومنولث بوزارة الخارجية المصرية عام 1998 إلى وجود احتياطيات هائلة من اليورانيوم في أوزبكستان ومعروف أن لديها القدرة على تخصيب اليورانيوم وبالإضافة إلى ذلك كله تتمتع أوزبكستان بموقع جغرافي استراتيجي في قلب آسيا الوسطى. تحدها كازاخستان من الشمال والغرب وتركمانستان وأفغانستان من الجنوب وقيرغيزيا من الشرق وطاجيكستان من الجنوب الشرقي. إهتمام مبكر لكل هذه الاعتبارات كان طبيعيا أن تهتم إسرائيل منذ وقت مبكر باختراق أوزبكستان، والواقع أن الدولة الصهيونية كان لديها استراتيجية متكاملة تجاه آسيا الوسطى بأكملها تعتمد على التركيز في المرحلة الأولى على التغلغل الاقتصادي من خلال رجال الأعمال الإسرائيليين والصهاينة من شتى الجنسيات من جهة وتقديم إسرائيل نفسها كوسيط نشيط لجذب رؤوس الأموال الغربية والأمريكية إلى تلك البلدان وفتح أبواب واشنطن وغيرها من العواصم الغربية أمامها من جهة أخرى. ويكفي أن نشير إلى أنه بينما كانت الدول العربية لاتزال تفكر في إقامة علاقات دبلوماسية مع دول آسيا الوسطى الإسلامية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، كانت إسرائيل قد تقدمت بالفعل لاقامة تلك العلاقات وافتتاح السفارات هناك. بعد أقل من ثلاثة أشهر على انهيار الإتحاد السوفيتي كانت إسرائيل قد نظمت في العاصمة الأوزبكية طشقند، أول مؤتمر اقتصادي مشترك بينها وبين دول آسيا الوسطى (في مارس 1992 لبحث احتياجات تلك الدول من المشروعات والمساعدات الاقتصادية، والدور الذي يمكن أن تقوم به الدولة الصهيونية في تلبيتها®. وخلال الشهور والأعوام التالية كانت هذه المشروعات قد بدأ يجري تنفيذها بالفعل . وبالنسبة لأوزبكستان فقد قام رئيسها إسلام كريموف بزيارة إلى إسرائيل في أكتوبر عام 1992 حيث تم الاتفاق على تطوير التعاون بين البلدين في شتى المجالات . وشملت المشروعات المشتركة مجالات تمتد من الري والزراعة والصناعات الزراعية إلى الصناعات السياحية والاتصالات وبناء الفنادق والمقاولات، وباستثمارات إسرائيلية أو مشتركة ساهم فيها رجال الأعمال الجدد من يهود أوزبكستان؟؟ كما قامت إسرائيل بتمويل أمريكي أساسا بتنفيذ برامج للتعاون الفني وتدريب الكوادر في مجالات الزراعة والري خصوصا والإدارة والبنوك، وغيرها من مجالات بناء الدولة الحديثة واقتصاد السوق. وتم افتتاح فرع للوكالة اليهودية (سحتوت) في العاصمة الأوزبكية طشقند لتنظيم هجرة اليهود الأوزبك إلى إسرائيل وكان عدد هؤلاء يبلغ نحو 120 ألفا تم بالفعل تهجير أكثر من سبعين الفا منهم. كما تم افتتاح مركز ثقافي إسرائيلي، في طشقند يعمل بنشاط على الترويج للثقافة والأفكار الصهيونية بين اليهود وغيرهم من مواطني أوزبكستان، فضلا عن تعليم اللغة العبرية. وهكذا كانت إسرائيل تحقق تغلغلا سياسيا واقتصاديا وثقافيا متزايد الاتساع والعمق في أوزبكستان طوال التسعينيات، وضع أساسا قويا لقيام تعاون أمني واسع النطاق في النصف الثاني من العقد المنصرم®. وبرعاية أمريكية®. بل وبمشاركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وإن كان للأخيرة دور الشريك الأصغر بالطبع. تكثيف المخاوف وكان المدخل لهذا التعاون هو المخاوف المتزايدة لدى نظام كريموف من الخطر الأصولي الذي يمثله النموذج الافغاني بعد الإطاحة بنظام نجيب الله في كابول في أواخر أبريل عام 1992وإصرار فصائل المجاهدين الأكثر تشددا وخاصة الحزب الإسلامي بزعامة حكمتيار على طرد الميليشيات الأوزبكية بزعامة الجنرال عبد الرشيد دوستم من العاصمة الأفغانية. وتزايدت مخاوف أوزبكستان بعد اشتعال الحرب الأهلية في طاجيكستان المجاورة خريف عام 1992، وهي الحرب التي عكرت التنامي الكبير لنفوذ الحركة الأصولية الإسلامية وفي مقدمتها حزب (النهضة) وضاعف من المخاوف وجود تداخل عرقي كبير بين طاجيكستان وأوزبكستان (حوالي 25 من سكان طاجيكستان ذوو أصول أوزبكية، ونحو 20 من سكان أوزبكستان ذوو أصول طاجيكية). ومنذ ذلك الوقت بدأ الرئيس كريموف يعلن أن الأصولية الإسلامية أصبحت تمثل الخطر الأكبر على استقرار وأمن آسيا الوسطى. وعلاوة على القمع واسع النطاق للحركة الشعبية عموما والإسلامية خصوصا، فإن نظام كريموف بدأ يسعي لاقامة التحالف في وجه الحركة الاصولية في بلاده، وفي آسيا الوسطي كلها، وفي هذا السبيل تعاون كريموف مع الدول المجاورة والقريبة، وفي مقدمتها روسيا أكبر قوة عسكرية في المنطقة، وهو التعاون الذي اتسع فيما بعد ليشمل الصين، وليؤدي إلى نشوء (منظمة شنغهاي). لكن العلاقات الأوزبكية الروسية تنطوي على تناقضات عديدة لا يتسع المجال للخوض فيها هنا وحسبنا أن نقول إن اهتمام نظام كريموف الحقيقي كان موجها للتعاون مع الغرب، وخاصة الولايات المتحدة وإسرائيل. وهكذا بدأت إسرائيل في تنظيم دورات لتدريب كوادر أجهزة المخابرات في دول آسيا الوسطى، وفي مقدمتها أوزبكستان على أساليب مكافحة الإرهاب مستندة في ذلك إلى خبرتها في مواجهة الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، وخاصة (حماس) و(الجهاد) و(حزب الله). وجاء ظهور حركة طالبان في أفغانستان، واستيلاؤها على كابول وصولا إلى الحدود الأوزبكية عام 1997، ليزيد إلى أقصى حد من مخاوف نظام كريموف من احتضان طالبان ومنظمة القاعدة للحركات الأصولية في أوزبكستان، وليزيد بالتالي من اندفاع طشقند نحو تعزيز علاقات تعاونها الأمني مع تل أبيب، ثم مع واشنطن بعد أن غيرت هذه الأخيرة موقفها من حركة طالبان عقب نسف السفارتين الأمريكيتين في دار السلام ونيروبي، وإصرار الحركة على عدم تسليم أسامه بن لادن وأيمن الظواهري وغيرهما من المتهمين بارتكاب الحادث. مازاد من مخاوف كريموف واندفاعه لتوثيق علاقاته الأمنية بكل من تل أبيب وواشنطن كان ذلك النمو الكبير للقوة العسكرية لحركات أصولية أوزبكية مثل (جند الله) و(حزب التحرير الإسلامي) و(حزب الله). ولكن بصورة أخص. الحركة الإسلامية الأوزبكية بزعامة طاهر يولداشيف ومحمد صالح (القيادة السياسية) وجمعة نمانجاني قائد الجناح العسكري للحركة، الذي يضم مالا يقل عن 1000-1500 مقاتل. الاحتماء الامني وإذا كانت أغلب هذه التنظيمات قد تأسست في أوائل التسعينيات، فإنها تلقت دعما كبيرا بعد وصول طالبان إلى الحكم ويشير بعض المراقبين إلى أن قوات الحركة الإسلامية الأوزبكية مسلحة بالمدرعات والمدافع عديمة الإرتداد، وراجمات الصواريخ والمضادات الأرضية. وأشارت التقارير الصحفية أكثر من مرة في الآونة الأخيرة أن (نمانجاني) لقي مصرعه في المعارك التي شهدتها أفغانستان خلال الحرب الجارية. ودأبت هذه الجماعات على شن هجمات مسلحة ضد أهداف مدنية ومراكز للشرطة وقامت في فبراير 1999 بسلسلة تفجيرات في طشقند راح ضحيتها 16 قتيلا وعشرات الجرحى، وأعتبر كريموف أنها تستهدف حياته شخصيا. وكان الرئيس كريموف قد أعلن أكثر من مرة أن أعضاء تلك الجماعات يستحقون إطلاق الرصاص على رؤوسهم وأنه يستعد للقيام بذلك بنفسه إذا اقتضت الضرورة؟ وكرر كريموف هذه التصريحات أثناء آخر زيارة له إلى تل أبيب عام 1998، وإذا تغاضينا عن مدى انسجام مثل هذه التصريحات مع حقوق الإنسان أو الوطنية المفترضة لرئيس الجمهورية، فإن ما يلفت النظر بقوة هو اتخاذ الزيارة إلى دولة تناصب العالم الإسلامي أشد العداء مناسبة لإعلان الحرب المقدسة على الإرهاب الأصولي®. في تجاهل تام لمشاعر الشعوب والدول الإسلامية، وللدور الإرهابي الذي تقوم به الدولة الصهيونية ضد عدد من تلك الشعوب والدول®. وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني وسلطته،والشعب اللبناني وبلاده®®. والواقع أن كريموف كان قد حسم أمره منذ وقت طويل على الابتعاد عن العالم الإسلامي، ودرج على اتهام دول إسلامية كبرى بالعمل على ملء الفراغ في آسيا الوسطى، في إشارة إلى باكستان ودول إسلامية عربية؟؟ وقد أسفرت زيارة كريموف المشار إليها عن الاتفاق على التعاون بين أوزبكستان وإسرائيل في عديد من المجالات في مقدمتها مجال التعاون الأمني والمخابراتي في مكافحة الإرهاب الأصولي. استراتيجية أمريكا ولا يحتاج المرء إلى كثير من الذكاء ليفهم أن التغلغل الصهيوني متعدد الجوانب في آسيا الوسطى يجئ في إطار استراتيجية أمريكية تلعب فيها إسرائيل دور الشريك الصغير شديد الفاعلية الذي لا تغيب مصالحه الخاصة أبدا عن مجال رؤيته، والذي يسعى إلى توسع دوره ومجال حركته بصورة مستمرة. ويؤكد كل ما ذكرناه مقال مهم كتبه شخص حسن الإطلاع تماما هو الجنرال اليكسندر كوليك الرئيس السابق لدائرة الشرق الأوسط في جهاز المخابرات السوفييتية (كي .جي. بي) (الحياة 23 أكتوبر 2001) ويشير المقال إلى أنه منذ عام 1997 أولت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت اهتماما خاصا لتعزيز التعاون الأمريكي- الإسرائيلي في آسيا الوسطي ومنطقة بحر قزوين وتركيز العمل في الجمهوريات السوفييتية السابقة في إطار وزارات الخارجية والدفاع والمخابرات ®. مع منح أوزبكستان أهمية خاصة، وبالإضافة إلى مواجهة النفوذ الإيراني في آسيا الوسطى وبحر قزوين أشارت توجيهات أولبرايت إلى أهمية إضعاف العلاقات الأوزبكية - الروسية في مجال الأمن وحماية الحدود وفتح المجال لاستقبال قوات أطلسية في حالة ظهور تهديد لاوزبكستان من جانب أفغانستان أو إيران. وأشار جنرال المخابرات السوفيتية السابق إلى التنسيق المستمر بين سفيري الولايات المتحدة وإسرائيل في طشقند لمتابعة تنفيذ توجيهات قيادتيهما، وإلى أن وجهات نظر الطرفين متفقة بشأن اعتبار الرئيس كريموف (حليفا طبيعيا للغرب، وبالدرجة الأولى الولايات المتحدة وإسرائيل في العالم الإسلامي وإلى أنه مهتم بتطوير تعاونه مع إسرائيل التي يعتبرها نافذة على الغرب ومهتم بالتعاون مع الولايات المتحدة والدولة الصهيونية في استغلال النفط والغاز والذهب. كما أن الرئيس الأوزبكي مهتم بالتعاون مع الغرب وخاصة أمريكا وإسرائيل في مجال مكافحة الإرهاب الدولي. والواقع أن تطورات الحرب الأفغانية الجارية منذ بدايتها تتكشف كل يوم عن أبعاد جديدة بالغة الخطورة للتغلغل الإسرائيلي في آسيا الوسطى وتشير بوضوح إلى أن هذا التغلغل مرشح لمزيد من التوسع في إطار السيطرة الأمريكية المتوقعة على المنطقة. وعلى العرب أن يواجهوا هذه الحقيقة، وأن ينظروا ماذا يرون بشأنها لأن انعكاساتها عليهم ستكون بالغة الخطورة، وخاصة على منطقة الخليج. لكن هذا موضوع يستحق معالجة مستقلة. ـ كاتب مصري