كانت تلك الليلة باردة.. ليس لأنها كانت ليلة شتوية.. وانما لأنها كانت ليلة مملة.. موحشة.. فكل الأصدقاء انفضوا عن وسط المدينة.. تركوا مقهى «ريش».. ومطعم «ايزافيتش».. ومكتبة «مدبولي».. ورائحة «البن البرازيلي».. و«بنسيونات» الشوارع الجانبية.. ضجوا من عصر جديد تخطف فيه القصائد والمقالات في وضح النهار ويسيطر عليه النقد المسلح والكتابات المفخخة والمذاهب الكاتمة للصوت.. عصر متوتر تسيطر عليه مسدسات لا تقرأ ولا تكتب.. ويسخر الرئيس «أنور السادات» من مثقفيه ويصفهم متهكما بالأفندية و «الأراذل» في تلك الليلة كان شبحان يعبران ميدان «طلعت حرب» وهما يتساءلان: أين «محمود أمين العالم» و «عبدالعظيم أنيس» و «أحمد عباس صالح»؟.. لماذا فضل الدكتور «فؤاد زكريا» وأحمد عبدالحليم» والدكتور «على الراعي» السفر الى الكويت؟.. هل يشعر «محمود السعدني» و «كرم مطاوع» و «صافيناز كاظم» بالراحة في العراق؟.. ماذا يفعل «أحمد عبدالمعطي حجازي و «الفريد فرج» و «أبوسيف يوسف» في «فرنسا»؟ وطالت القائمة وكادت ان تشمل كل نجوم الكتابة الذين تمردت أوراقهم عليهم.. وعصت شيطان ابداعهم.. وفشلوا أن يجدوا في الوطن مكتبة.. أو كراسة.. أو قلم رصاص. وفجأة توقف «أمل دنقل» عن المشاركة في لعبة الاسماء الغائبة.. والتفت الى الشبح الآخر قائلا «اسمع.. تعال نتفق.. لا أنا ولا أنت نخرج.. سنبقى هنا لنشهد على مايحدث».. فقال له الشبح الآخر «فاروق عبدالقادر»: «اتفقنا» لكن.. «أمل دنقل» أكلته القصائد السجائر وخلايا السرطان المتوحشة.. فبقى «فاروق عبدالقادر» يحمل مسئولية الشهادة على مايحدث بمفرده. و «فاروق عبدالقادر» حالة انسانية وابداعية خاصة جدا. وربما لا تتكرر فهو الوحيد بين النقاد الذي ليس موظفا في مؤسسة ثقافية.. أو صحفية.. وربما منحه ذلك استقلالا ضاعف من شجاعته في التعبير عن رأيه.. ولكنه في الوقت نفسه وضعه على كف القدر.. وعلى فيض الرحمن.. ان الوظيفة الحكومية كانت تبتعد عنه كلما اقترب.. وتعطيه ظهرها كلما طلب يدها وأتصور أن ذلك كان من حسن طالعه.. فقد كانت إمراة من نوع آخر تفتح له ذراعيها وتدعوه للارتماء في أحضانها اسمها «حرية».. تعاملت معه معاملة كأنها جنية.. أو حورية.. مسحت أصابعه قبل الكتابة بماء الورد.. وعطرت أوراقه بعطر المسئولية.. وفتحت له آفاقها الابداعية. وكلما امسكت بكتاب جديد له - واخرها ما صدر قبل أيام بعنوان «غروب شمس الحلم» - تساءلت بيني وبين نفسي: ترى لو كان «فاروق عبدالقادر» قد قبلوه في وظيفة الباحث في مركز «البحوث الاجتماعية والجنائية» التي كان يحلم بها في بداية مشواره هل كان سيزيد عن عشرات المئات الذين يحملون درجة الدكتوراه ويأكلون أنفسهم وهم يجلسون على مقاعد باردة في انتظار منح «عيدالعمال» و «سلفة منتصف الشهر»؟ لقد كان كل شئ في الحياة يدفعه بعيدا عن الاستقرار حتى يظل مصرا على الاستقلال.. كان كل شئ يدفعه بعيدا عن «الكوما» حتى يظل متوترا بالتعبير عما يقرأ.. ومايسمع.. وما يشاهد.. حتى يظل في حالة صدام مع ماحوله.. فالذين لا يصطدمون بشئ.. لا يبدعون شيئا وليس من حقهم التحرش بورقة بيضاء يشتاق اليها. كان والده وفديا مثله مثل جيله.. أشعلوا ثورة «سعد زغلول».. وكانوا كالعادة وقودها وضحاياها.. أما الذين حولوا الثورة الى حكومة والبلد الى عزبة فقد راحوا يتحدثون عن فنون المناورة في مهارة المفاوضة.. وعن براعة الحياكة في لعبة السياسة.. وصدروا للناس مقامات الصبر وحكمة تقبل القهر.. ووجد «عبدالقادر» أفندي الموظف الأميري الذي يحمل باحترام لقب «افندي» نفسه يميل الى الاخوان المسلمين.. يائسا من بلح النخيل.. وانتظارا للرحيل.. في تلك الفترة كان ابنه «فاروق» على عتبة الفهم والوعي فتأثر هو الآخر بأفكار «حسن البنا».. لكن ذلك لم يستمر طويلا.. فقد اكتشف «ان ليس لدى الاخوان اجابات على الاسئلة التي يطرحها الواقع».. «كل مالديهم صيغ غائمة وغير محددة لا علاقة لها بماحولهم من مشكلات».. ثم ان ثورة «يوليو» كانت قد فرضت نفسها على ماكان.. وسعت للتغيير وقلبت كل الموازين. وعمره 15 سنة دخل الجامعة.. كان لا يزال مراهقا عندما راح في كلية «الآداب» جامعة عين شمس يدرس الفلسفة وعلم النفس.. في ذلك الوقت أيضا كانت مذاهب مابعد الحرب العالمية الثانية تفرض شبابها وحيويتها على العقول والضمائر.. وتغري الاسماء الأكاديمية اللامعة بتدريسها.. الدكتور «عبدالرحمن بدوي» الممثل الأول للوجودية في مصر. الدكتور مصطفى زيوار المؤمن على طريقة «فرويد» بأن وراء كل شئ في الحياة فتش عن الجنس.. والدكتور «مصطفى صفوان» الذي كان واحدا من مؤسسي الحزب الشيوعي المصري في باريس عام 1950 والذي قام بالتوفيق بين الفرودية والماركسية رغما مابينهما من تناقض.. والدكتور «يوسف مراد» قطب الدراسات النفسية الذي كان يؤمن بأن الحب هو صانع المعجزات في حياة البشر السياسية والعاطفية. كانت الشيوعية مغرية في تلك الايام.. وقد وجد نفسه مشدودا إليها وهو طالب في الجامعة منخرطا في تنظيماتها السرية.. وخلاياها الساكنة تحت الأرض.. لكنها كانت تجربة قصيرة كشفت له أن السرية بكل مافيها من غموض واثارة هي مايشد الشباب الى الشيوعية.. وانه لو كانت تنظيماتها علنية لانفض عنها ثلاثة أرباع المشدودين اليها.. لكن هذه التجربة القصيرة وقفت حائلا بينه وبين تعيينه باحثا في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية.. كان ذلك في عام 1959 .. في وقت كانت فيه «مصر» و «الاتحاد السوفييتي» كالسمن على العسل.. ويبنيان معا حلما كبيرا في جنوب «أسوان».. هو «السد العالي» على أن السلطة المركزية في «مصر» كانت قد أممت كل شئ حتى التعبير عما يتفق مع سياساتها الخارجية.. فهي وحدها التي تحدد كيف تكون علاقاتها بالأيديولوجيات والحكومات. لقد راح «فاروق عبدالقادر» يدور حول نفسه بين مكتب مكافحة الشيوعية في المباحث العامة اللواء «حسن مصيلحي» ومدير المركز الدكتور «أحمد خليفة».. كل منهما يلقي بالمسئولية على الآخر.. وفي النهاية بدت اللعبة أو اللعنة مفهومة.. وكان عليه ان يدفع الثمن.. خاصة وأن الثقافة والصحافة أصبحتا في يد الدولة.. وحتى لا يموت من الجوع راح يأكل عيشا في مجلة صغيرة اسمها «حياتك».. تهتم بالزواج والطلاق والتوافق بين الجنسين.. ورغم ان العائد كان لا يكفي الخبز والشاي والسجائر الا انه أدرك انه لا حياة بعيدا عن الكتابة والترجمة.. خاصة وأن ذلك لا يحتاج الى موافقة أجهزة الأمن.. على أن السياسة ظلت تراوده عن نفسها.. ولم يكن من الصعب تجاهلها. انه على حد قوله - في حواره مع «وائل عبدالفتاح» في جريدة «أخبار الأدب» - ينتمي الى جيل محكوم عليه بالسياسة.. ومحكوم عليه أن لا يخرج من أسر زعيم تلك الأيام «جمال عبدالناصر».. أما السبب فهو على حد قوله: «اننا عرفناه في مرحلة مبكرة جدا من تشكيل رؤيتنا للعالم.. وربما لا أكون مبالغا اذا قلت ان مابين حبه والانتماء له وبين كراهيته والنفور منه تمزق جيل بأكمله».. ويستطرد: «هو بلا شك زعيم وطني معاد للاستعمار ويحلم لمصر بدور يتناسب مع مكانتها في التاريخ وامكانياتها في الحاضر وزعامتها للمنطقة وانفتاحها على العالم الاوسع.. كل هذا كان يستقطب مشاعرنا وتوجهاتنا نحوه.. بالمحبة والتأييد والمناصرة.. وهو أيضا ديكتاتور وباطش ويضرب اليمين واليسار ويحكم البلد بالتقارير والاجهزة وهذا ماحدث معي شخصيا وكشف لي الوجه الآخر لنظامه». وربما كان مثيرا للدهشة انني عرفت «فاروق عبدالقادر» منذ سنوات طويلة.. وعملنا معا.. وسهرنا معا.. وتبادلنا حوارات شديدة لم تنته.. وتابعت معاركه النقدية والثقافية وحروبه الأهلية.. لكنني عندما قررت الكتابة عنه اكتشفت انني لم أعرف حياته الشخصية.. ولا سيرته العملية.. بل انني فوجئت وأنا أراجع ما كتب عنه انه سافر في وقت مبكر الى «مكة المكرمة». في الخمسينيات للعمل في صحيفة «الندوة» وانه نشر فيها مقالات عن الاتجاهات الجديدة في الأدب وعلى رأسها «الوجودية» وعندما وقعت الخلافات بين «القاهرة» و «الرياض» بعد انفصال «سوريا» عن «مصر» في عام 1962 عاد هو وزملائه ليجدوا في استقبالهم في المطار الدكتور «عبدالقادرحاتم» نائب رئيس الوزراء للثقافة والاعلام ورحب بهم على طريقة «ما أعظم» و «ماأروع».. لكن عندما منحوه فرصة العمل في مكتب «يحيى أبوبكر» رئيس هيئة «الاستعلامات» لم يستمر ذلك طويلا فقد كانت ملفاته في الأمن لازالت تطارده.. وتحرمه من لقمة العيش. وفوجئت أيضا بأنه سافر مرة أخرى الى «الدوحة» بعد عامين قضاهما في كتابة المقالات بالقطعة في مجلة «روزاليوسف».. كان ذلك في عام 1964. وكان عليه القيام بأعمال الترجمة في قصر الشيخ «حمد بن ثاني آل خليفة أمير قطر».. في ذلك الوقت كان النفوذ البريطاني لا يزال واضحا مؤثرا في الخليج.. وتجسد ذلك النفوذ في صورة ميجور في المخابرات البريطانية يرتدي الدشداشة والعقال يطلق على نفسه الحاج «محمد مهدي» واسمه الحقيقي «رونالد كوكرين».. والملفت للنظر انه لم يرتح لوجود فاروق عبدالقادر وتصوره على الفور رجلا من رجال المخابرات المصرية.. فأبعده عن قصر الحاكم. والأخطر من نفوذ البريطانيين في الخليج كان تأثير الاخوان المسلمين عليه.. ان قيادات التنظيم السري المسلح نجحت في الهروب الى هذه المنطقة.. ووجدت فرصا للثورة والسلطة.. ومنهم زعيم اخواني كان يعيش حياة مترفة ويدير دار الكتب والوثائق هناك.. لكن «فاروق عبدالقادر» اكتشف بعد فترة وظيفته الحقيقية وهي رسم الخرائط بين امارات الخليج التي كانت تتكون وتستقل وقتها لتصبح دولاً. الغربة والثقافة وملفات الأمن السرية علمته أن الوظيفة الحكومية ترف لن يصل اليه.. كانت الوظيفة بكل ماتعني وتغني مثل صخرة جبل «سيزيف» ماأن يقترب منها حتى يجد نفسه بعيدا عنها.. وأشهد انه دفع رأيه دائما ثمنا في عدم الحصول عليه.. لقد كان يكتب بالقطعة عندما جاء عبدالرحمن الشرقاوي لرئاسة روزاليوسف بعد أن أطلق على ماجرى في 15 «مايو» 1971 - يوم أن تخلص «أنور السادات» من خصومه في السلطة - «ثورة التصحيح» وعكست هذه الظروف الضاغطة والموترة والمربكة نفسها على المجلة الليبرالية الراديكالية التي تعودت ان تكون على يسار السلطة.. واختلط الحابل بالنابل.. واستغل البعض مقالة نشرها «فاروق عبدالقادر» ضد مسرحية «وطني عكا» التي كتبها عبدالرحمن الشرقاوي في الوقيعة بينهما.. فكان أن حرم «فاروق عبدالقادر» من الانتماء الدائم الى «روزاليوسف». وفي الوقت نفسه أجبرت نفس الصراعات الداخلية واحدا من أشهر كتابها هو «أحمد عبدالمعطي حجازي» على ان يرحل بعيدا عنها.. كان «أحمد عبدالمعطي حجازي» قد كتب قصيدة يهاجم فيها «عبدالرحمن الشرقاوي» يقول فيها: «أنا أصغر فرسان الكلمة.. لكنني سأنازل من علمني الحرف.. من علمني السيف».. وما أن وقعت زفة التغيير.. وخرجت الثعالب الصغيرة من جحورها لتشعل الصراع بين ملوك الغابة.. وكان ما كان. ومثل «الهولندي الطائر» تنقل «فاروق عبدالقادر» بين المجلات الثقافية المختلفة دون أن يجد ميناء يستقر فيه.. أو شاطئ يرسو عليه.. أو حائط يصد به هجمات القراصنة الذين يرتدون ثياب «الأسموكنج» الفاخرة.. ويتحدثون على طريقة مثقفي المقاهي في «باريس».. أو هجمات أسماك القرش الحادة التي كانت تعين على درجات الادارة العليا في مؤسسات الثقافة المختلفة.. لم تكن الكتابة بالنسبة له ورقة يانصيب يكسبها بالصدفة أو بالتواطؤ.. ولم يفلح في الخلط بين حكم الناقد وابتسامة موظف العلاقات العامة.. الأكثر بياضا.. والمستوردة من اعلانات معجون الأسنان. ان نيران الحياة هي التي صهرته وميزته وجعلته قائما مستمرا مؤثرا في وقت تساقطت فيه أصنام الكتابة التي صيغت من «العجوة».. تبخرت هذه الاصنام.. أو أكلتها الايام.. فقد كانت مواهبها سريعة التبخر.. سريعة الاحتراق. وفي الوقت نفسه عبر «فاروق عبدالقادر» عن جيله بكل مافيه من تيارات سياسية وثقافية وأدبية.. دون أن يغلق عينيه ولا يرى الابعاد الانسانية الرحبة بموجات العالم وذبذباته.. ان هذا الجيل هو جيل الغبار والهواء الملوث والعقد الفرودية المميتة لبشر صلبوا بلا صليب.. جيل له أزماته الخاصة.. تتصل برغيف الخبز والدواء والعلم والسرطان واسرائيل أكثر مماتتصل بالمجردات الفلسفية التي لا تلتفت اليها الشعوب الا وهي في قمة شبعها وبترها وترفها الفكري. صعب أن تكتب عن كاتب.. صعب جدا أن تكتب عمن يكتب الكتاب.. لكنها محاولة لتقديم زهرة لكاتب أفنى حياته في تنسيق الزهور ونشر عطرها عبر الحبر الأسود.. أجمل عطور الدنيا. ـ كاتب مصري