«..أورثناكم ذخيرة تراثنا العلمي، وتركنا لكم فنوننا المعمارية، فيما أسماؤنا لا تزال منتشرة في أمكنتكم ولهجاتكم.. ألا يكفي ذلك لتكيلوا لنا المديح وتؤرّخوا بالحب والعرفان لمكوثنا الطويل في بلادكم؟». قالها الشاب العربي الذي يعمل بائعاً بأحد المخابز في دبي بلكنته الانجليزية الهجينة مخاطباً الرجل الحنطي ذي البنية المتينة القادم من بلاد الأندلس. وبفضول .. التفت ناحية الرجل الغريب أترقّب ردّه الذي لم يتأخر طويلاً، وبلهجة هادئة وابتسامة واثقة بادر محدثه: «لسنا ننكر بأن الثمانمئة سنة التي أمضاها أجدادكم في بلادنا قد شكلت لنا تاريخاً زاخراً بكل المعاني والمقاييس، ولا سيما انهم منحونا من مخزونهم المعرفي فناً وثقافة وتقاليد دخلت في نسيج مجتمعنا، ولا نزال نمارسها حتى يومنا الحاضر، ورغم كل ذلك فلم يستطيعوا ان يبقوا على هذا المجد ويحافظوا عليه، وخرجت جيوشهم الفاتحة مهزومة من الأندلس». ولم يكتف الأسباني ذو السمات العربية بذلك وتابع حديثه قائلا: «لكن ماذا عنكم الآن.. ألا ترون ان كل الأحاديث عن صورتكم السابقة لا تجدي نفعاً أمام وقائع الحاضر الذي تعيشونه.. ثم أين أنتم من قضية فلسطين ومعاناة شعبها التي زادت على الخمسين عاما، وماذا عن أراضيكم في اربع جهاتكم وماذا فعلتم لاخوانكم الفقراء والمحاصرين في السودان والصومال والعراق وماذا عن حواركم مع أنفسكم والآخرين وهل ستتفاعلون مع الحضارات الكونية وتجدون القواسم المشتركة بينكم وبينها؟ استوقفني الحديث العابر بين الرجلين، وفاجأني تعاطف الاسباني الغريب مع فتح جيوشنا لبلاده مثلما أدهشني اطلاعه على قضايا أمتنا الذي يفتقده الكثيرون من العرب. فيما ذكّرني بائع الخبز المغترب من بلاده باحثاً عن لقمة العيش بصورة المواطن العربي البسيط الذي يركن دائماً إلى أمجاد ماضيه سعياً للتخفيف من آلام حاضره. وأعادني هذا الشاب العربي بالذاكرة إلى أولى سنواتي الدراسية، حيث دلف أحد المدرسين إلى قاعة الصف حاملاً مذياعاً صغيراً، ليسمعنا عبر أثيره الأصوات الجهورية للمذيعين في وسائل الاعلام الرسمية، وهي تشيد بالانتصارات المجيدة للجيوش العربية على الاعداء الصهاينة. وتواصل الامر على مدى ايام حتى احسسنا بتفكيرنا الطفولي ان اسرائيل قد انتهت من الوجود بعد تدمير اساطيلها الجوية والبحرية وقواتها البرية.. لنكتشف وأهلنا البسطاء بعد وقت قصير ان ما حدث هو العكس تماماً.. فالنكسة كانت قد ارتسمت على كل الوجوه. ولما غادرت المكان تراءت لي صور متناقضة عن أحوالنا، وتساءلت في سرّي: لماذا عندما تستبدّ بنا الانكسارات والهزائم نحاول الهروب إلى الأمام ونرفض البحث في أسباب خيباتنا، فيما نلجأ لمعالجة نتائجها بالمهدّئات أو بتنفيس الاحتقان عبر عقد مؤتمر هنا أو قمة هناك؟ ثم ما لنا ولمجد الأندلس وذكريات الفاتحين العرب العظماء.. وقد امتلأت بحكاياتهم الكتب ودواوين الشعر؟ فها هو الشاعر محمود درويش في قصيدته «الكمنجات» يرثي احوالنا على أوتاره الحزينة: «الكمنجات تبكي مع الغجر الذاهبين الى الأندلس الكمنجات تبكي على العرب الخارجين من الاندلس» ويواصل في قصيدته «كن لجيتارتي وتراً أيها الماء» ذاك الأنين الداخلي المغرق في الزمن: « .. من أنا بعد هذا الرحيل الجماعي؟ لي صخرة تحمل اسمي فوق هضاب تطل على ما مضى وانقضى.. سبعمئة عام تشيّعني خلف سور المدينة عبثاً يستدير الزمان لانقذ ماضيّ من برهة تلد الآن تاريخ منفاي فيّ .. وفي الآخرين». اما نزار قباني الذي قصد بلاد الاندلس ليعاين الجرح القديم، ويشهد بعينيه ذلك البهاء العظيم الذي هجره اجداده، ذات زمان منكسر، فقد وصف في قصيدته «غرناطة» لحظة الحقيقة والمكاشفة في حوارية مدهشة مع دليلته الاسبانية: «في مدخل الحمراء كان لقاؤنا ما أطيب اللقيا بلا ميعاد . . . . هل أنت اسبانية؟ ساءلتها قالت: وفي غرناطة ميلادي . . . . مشيت مثل الطفل خلف دليلتي وورائي التاريخ كوم رماد الزخرفات أكاد اسمع نبضها والزركشات على السقوف تنادي قالت: هنا «الحمراء» زهو جدودنا فاقرأ على جدرانها امجادي امجادها؟ ومسحت جرحاً نازفاً ومسحت جرحاً ثانياً بفؤادي ياليت وارثتي الجميلة أدركت ان الذين عنتهمُ اجدادي..» ما أسلفناه هو غيض من فيض الاحزان التي سكبها الكتاب والشعراء والرسامون والمغنون والموسيقيون.. هذه الاحزان التي لا تزال بصماتها ماثلة على سماتنا وملابسنا.. وكأن الاسود الذي نرتديه لوناً لازيائنا التراثية أبلغ تعبير عن ذلك الحزن المديد؟ ثم أليست مفارقة غريبة، ان تُكتشف امريكا في الوقت الذي خرج فيه العرب من الاندلس؟ إذن، فلندع أجدادنا يرقدون بسلام، ولنكتفِ بزيارة آثارهم وأطلالهم من حين لآخر لإلقاء تحية أو لعناق وداع. فالمستقبل يحتاج منا انتصارات تمحو آثار النكسات الملمّة بنا من كل جانب، أوعلى الأقل الحفاظ على انجازاتنا ومكتسباتنا المستهدفة من الطامعين؟ تلك هي المسألة! Email:ismail_haidar@yahoo.com