كنا نلتقي من وقت لآخر في النادي الدولي للصحافة بمدريد، الذي ننتمي إليه هو وأنا، هو «أرنستو» أرجنتيني لامع في مجال الصحافة وبشكل خاص في الموضوعات الاقتصادية الحساسة التي تخص أمريكا اللاتينية بشكل عام والأرجنتين بشكل خاص، وله مساهماته في هذا المجال في العديد من الصحف الإسبانية البارزة التي تستعين به من وقت لآخر كلما ظهرت في الأفق بوادر أزمة اقتصادية تهدد تلك القارة الشاسعة المعروفة باسم «أمريكا اللاتينية» أو «أمريكا الإسبانية»، وهي أزمات توالت خلال العقد الأخير بشكل لافت للنظر، مثل أزمة «التضخم المرعب» في الأرجنتين خلال عقد الثمانينيات، أو أزمة «العملة المكسيكية» عام 1994، أو أزمة «العملة البرازيلية» عام 1999. كان لقائي به خلال الأسبوع الماضي يبدو ظاهريا مثل تلك اللقاءات المعتادة بيننا التي تبدأ في مقر النادي لتنتهي في مقهى أو كافيتيريا بالقرب من النادي الذي يقع وسط العاصمة الإسبانية لتناول بعض المرطبات أو القهوة بالحليب طبقا لما يفرضه علينا المناخ، لنتحدث عن مشاكل أوطاننا التي نعتبرها، هو وأنا، مشاكل مشتركة لأن أسبابها متشابهة ونتائجها كذلك، ونظرا للوضع الحالي الذي تمر به بلاده، الأرجنتين، فقد دار الحوار حول الوضع هناك، وبشكل خاص الوضع الاقتصادي الذي يعرف خطوطه جيدا ويتحدث عنه وهو مغمض العينين. ولع دكتاتوري! عندما سألته عن ما يحدث، ابتسم في سخرية ومرارة، وقال: نحن شعب يستحق ما يحدث له. وعندما ألححت في الاستفسار عن معنى كلامه هذا، قال: بلادي غنية بالثروات الطبيعية التي يمكن أن تقوم عليها أسس أفضل اقتصاد في العالم، لا تنقصها الأيدي العاملة المدربة فنيا وتكنولوجيا والتي وصلت إلى تصدير المفاعلات الذرية للعديد من دول العالم، ومن بينها مصر، ووصلت صناعاتها الحربية إلى درجة متقنة، والدليل على ذلك أننا ننافس الدول الكبرى في تصديرها، وعندما نعجز عن المنافسة «الشريفة» نهرب هذه الأسلحة إلى الدول التي تقبل التعامل بهذه الطريقة، خاصة تلك التي توجد في حالة حرب، حتى تحول رئيسنا السابق كارلوس منعم وأعضاء حكومته إلى مليونيرات من وراء هذه التجارة، خاصة بعد أن انكشفت بعض عمليات التهريب التي جرت مع كرواتيا خلال حرب البوسنة والهرسك، ومع ذلك انظر إلى ما يحدث هناك: شعب لا يملك قوت يومه، ومدخراته التي قضى العمر كله في جمعها وتخزينها في خزائن البنوك الوطنية مهددة بالتبخر خلال ساعات بفضل تعويم العملة، وتوالى على كرسي الحكم خمسة رؤساء في أسبوعين فقط، ويتداول الناس في الأسواق أكثر من خمس عملات متنوعة ومختلفة في وقت واحد. قررت استغلال فرصة إفاضته في الحديث عن الوضع في بلاده، وبدأت في طرح العديد من الأسئلة التي يمكن أن تلقي إجابته عنها بعض الضوء على ما يحدث في ذلك البلد الذي تحول خلال النصف الثاني من القرن العشرين إلى لغز محير، فقد اختار الشعب الأرجنتيني في الخمسينيات حكم الجنرال بيرون الدكتاتوري المطلق وكأنه يختار «منقذا»، وعندما انقلب العسكر عليه هتف الشعب باسمهم، ثم عاد وتلقى الدكتاتور بالأناشيد والرايات بعد عودته من المنفى، ورفع زوجته «ايفيتا» بيرون إلى درجة «القداسة»، ورفع زوجته الثانية «غانية الكباريه» ايسابيليتا بيرون إلى قمة الحكم، ولم ينقذه من تلك الغانية سوى انقلاب «الخونتا العسكرية» التي حكمت البلاد طوال ما يقرب من عقدين من الزمان بالحديد والنار، وعندما عادت الديمقراطية اختار كارلوس منعم وحوله دكتاتورا، وكأنه «بيرون آخر»، صنع اقتصادا وهميا كان السبب في الأزمة الطاحنة التي تعيشها البلاد الآن. قال أرنستو إن الخطوات الأولى التي اتخذها الرئيس كارلوس منعم بنصيحة من وزير اقتصاده وقتها «دومينجو كافالو» كان ظاهرها القضاء على الارتفاع الرهيب والمتوالي للتضخم الذي وصل خلال عام 1989 إلى ما يزيد عن ثلاثة آلاف في المائة، وكانت النتيجة انهيار الاقتصاد بالكامل خلال عام واحد، حيث كانت الأسعار تتغير ما بين دقيقة وأخرى، بل أن الجمهور كان يشاهد بعينيه كيف أن عمال «السوبر ماركت» يغيرون لافتات الأسعار مع سير عقارب الساعة، إلى درجة انك تدخل المحل وأمامك سعر معلن للسلعة التي ترغب في شرائها وعندما تصل إلى خزانة الدفع تكتشف أن سعر السلع التي تملأ سلتك قد تضاعف، وكانت خطة منعم ووزير اقتصاده القضاء على هذا التضخم بأسرع ما يمكن، وكانت عملية ربط «البيزو» العملة الوطنية الأرجنتينية بالدولار الأمريكي، البيزو يساوي دولارا، وتقرر أن يتم وضع دولار في خزانة البنك المركزي مقابل كل بيزو يتم طبعه وطرحه في الأسواق. منذ هذه اللحظة تقرر أيضا تمويل العجز في الإنفاق على الخدمات العامة عن طريق الدولار، وهذا جعل الشعب يتعامل مع العملة الأمريكية اكثر من تعامله من خلال العملة الوطنية نتيجة انخفاض نسب الفائدة على القروض بالدولار عن تلك التي يتم الحصول عليها بالعملة الوطنية. النجاح الموهوم كانت النتيجة في البداية إيجابية ومدهشة لمن لا يقرأ المستقبل عند التعامل مع الأرقام الباردة، فقد كانت خطة الرئيس منعم على المدى القصير فقط، وأهملت المدى البعيد، وخلال تطبيقها لم تكن الحكومة شفافة في تعاملها وأوهمت الشعب بان كل شئ على ما يرام، خاصة بعد انتهاء فترات الهزات المتوالية في أسعار السلع الأساسية والخدمات، ولكن ما لم يكن يتم الإعلان عنه أن الحكومة كانت تستخدم جزءا من الأموال التي حصلت عليها من بيع الشركات العامة، كخطوط الطيران والتليفونات والبترول في تمويل هذه الخطة، أي أن الأموال التي كان يمكن استخدامها في بناء البنية الأساسية التي تفتقد إليها البلاد، والمطلوبة لتنمية اقتصادية حقيقية كانت تذهب للحفاظ على ماء وجه الحكومة، بل أن الجزء الأكبر منها كان يذهب إلى جيوب أعضاء تلك الحكومة، أي ان الكذب والنفاق وإخفاء الحقائق على الشعب انضمت إلى الفساد المالي والأخلاقي لتقضي على ما تبقى من الاقتصاد الأرجنتيني. إذن كيف انكشف المستور فجأة دون سابق إنذار؟ هل فشلت الحكومة في مواصلة الكذب على الشعب، أم أن الأموال التي كانت تحصل عليها من الشركات المباعة كانت محدودة؟ قال: لا الأمر انه حتى ذلك الوقت كان يمكن تغطية العملة الوطنية بغطاء الدولار، لكن ما لم يتم حسابه هو أن الدولار يقف من ورائه اقتصاد ضخم وشركات كبرى يمكنها أن تغطي أي عجز فيه، أما الاقتصاد الوطني الأرجنتيني فلم يكن بقوة الاقتصاد الأمريكي التي تسمح له بتوفير هذا الغطاء إلى ابعد من فترة زمنية معينة، ثم جاءت أزمة العملة البرازيلية عام 1999 لتكشف ما كان خافيا، لأنه بعد عملية تعويم العملة البرازيلية فقد الاقتصاد الأرجنتيني جزءا كبيرا من دخل العملة الخارجي، لان البرازيل تعتبر الشريك التجاري الأول للأرجنتين من خلال تحالف «ميركوسور»، فكانت النتيجة انه منذ عام 1999 والاقتصاد الأرجنتيني يفقد سنويا ما يقرب من 11 في المائة من صادراته. لكن ما هو دور صندوق النقد الدولي في هذا الأمر؟ هز صديقي الأرجنتيني رأسه متأسيا وقال: لعب صندوق النقد الدولي دورا كبيرا في القضاء على ما تبقى في اقتصاد بلادي، في البداية قدم دعما غير محدود لحكومة الرئيس كارلوس منعم، ثم وضع شروطا قاسية للاستمرار في هذا الدعم، بعض تلك الشروط لا يمكن آن تنفذها دولة متقدمة تنتمي إلى العالم الأول، فما بالك بدولة مثل الأرجنتين في حالتها الاقتصادية المنهارة. مثلا أصر صندوق النقد الدولي على الإبقاء على الغطاء الدولاري للعملة الوطنية الأرجنتينية، حتى بعد أن أصبح مستحيلا الإبقاء على هذا الغطاء، وأصبحت عملية تعويم العملة الأرجنتينية مطلوبة، بل ضرورية، خاصة بعد أن تأثرت عمليات الصادرات نظرا إلى ارتفاع أسعارها في مواجهة أسعار الصادرات المنافسة في العديد من الدول التي تتعامل معها الأرجنتين. هل تعتبر صندوق النقد الدولي بالفعل مسئولا أساسيا عن الحالة المتردية التي وصل إليها اقتصاد الأرجنتين؟ قال: بالطبع، لكن هذا لا ينفي مسئولية حكومة الرئيس كارلوس منعم، فقد كانت مطالب صندوق النقد الدولي تصب المزيد من الكيروسين على النار المشتعلة التي تحيط بالشعب الأرجنتيني، الذي كان يتوقع أن تأتي الديمقراطية بشيء من الاستقرار الذي كان يفتقده خلال الحكم العسكري الدكتاتوري الذي خضع له لفترات طويلة. كل ما ذكرته عن فساد حكومة الرئيس كارلوس منعم معروف في الأوساط السياسية والاقتصادية، ودور صندوق النقد الدولي معروف أيضا لدى كل متابع له منذ إنشائه حتى الآن، لكن لماذا ترى أن الشعب الأرجنتيني أيضا مشارك فعال في هذا التردي؟ صورة قاتمة تردد قليلا ثم قال: انظر يا صديقي، أريد أن اكشف لك بعض ملامح الحالة السياسية التي تعيشها الأرجنتين منذ الخمسينيات من القرن العشرين وحتى الآن، فقد جاء الجنرال بيرون على أكتاف العمال في وقت كانت النقابات تتمتع فيه بقوة كبيرة يمكنها أن توجه الشعب من اتجاه إلى آخر، لكن بيرون بدلا من تنفيذ الشعارات التي رفعها وكانت السبب في ارتباط النقابات العمالية به أفسد قيادات تلك النقابات وحولها إلى جزء من المنظومة السياسية الفاسدة التي سمحت له بالحكم بشكل دكتاتوري. وخلال فترات الانقلابات العسكرية كان البيرونيون يشيعون أنهم من اليسار، وأنهم يدافعون عن حقوق العمال، أي عن الطبقة المطحونة، ولكن عودته إلى الحكم لم تكن أفضل من حكم العسكر، فقد استمر استخدام النقابات خلال فترة حكم بيرون الثانية، والنقابات، أو بمعنى أصح القيادات النقابية، هي التي دعت إلى تولي «الغانية» ايسابيليتا الحكم من بعده لمجرد أنها كانت زوجة «الزعيم»، فهي لم تكن تملك من أمرها شيئا، بل كانت مجرد صورة جميلة معلقة على حوائط المؤسسات الحكومية، أما الحاكم الفعلي فقد كان مجموعة من المنتفعين في الحزب البيروني الذين ينحدرون من أصول إقطاعية لا علاقة لها باليسار ولا بالطبقة العاملة، والسياسة بالنسبة لهم مجرد وسيلة لتحقيق مصالح مادية خاصة جدا، كل هذا كان يحدث دون أن يحاول الشعب قراءة ما يحدث وأن يتخلى عن هذا التأييد لمن كانوا يسرقون قوت يومهم. لكن كانت هناك معارضة الحزب الراديكالي بزعامة «راؤول ألفونسين» والتي جاءت به إلى الحكم، ثم كان الرئيس المستقيل «فرناندو دي لا روا» منتميا إلى المعارضة؟ قال: لتعرف إلى أي حد كان البيرونيون يقودون النقابات ضد مصالح الطبقة العاملة، لم يستطع رئيس واحد منتخب من الحزب الراديكالي إتمام فترة حكمه المنصوص عليها دستوريا منذ أن قامت الديمقراطية في البلاد قبل نصف قرن، حتى ألفونسين نفسه أقصوه عن الحكم بعد فترة قليلة لينصبوا مكانه كارلوس منعم البيروني، تماما كما فعلوا مع الرئيس الراديكالي الأخير «فرناندو دي لا روا» الذي لم يمض سوى عامين من الأعوام الخمسة المنصوص عليها دستوريا، كل هذا تم بفضل تعاون قيادات النقابات العمالية مع الحزب البيروني، فالمظاهرات التي خرجت إلى الشوارع كانت تطالب في البداية بحل واقعي لاقتصاد البلاد المنهار، ثم سرعان ما تحولت إلى أداة في يد بعض البيرونيين لإقصاء الرئيس الراديكالي المنتخب، مع أن من حولوا هدف تلك المظاهرات يعرفون تماما ما هو داء هذا الاقتصاد وما هو الدواء المطلوب، وان الداء مستمر سواء بوجود رئيس راديكالي أو بيروني، ثم استخدموا النقابات والمظاهرات في حرب داخلية في الحزب البيروني نفسه لتنتهي تلك الحرب بتنصيب رئيس في تاريخه السياسي من السلبيات أكثر من الإيجابيات، فقد حكم مقاطعة «بوينوس ايريس» خلال ثماني سنوات انتهت بالإفلاس التام لخزانة المقاطعة، وخلال فترة حكمه زادت نسبة البطالة في العاصمة، وكذلك ارتفعت معدلات الجريمة إلى حد أصبحت العاصمة الأرجنتينية من أخطر المدن في أمريكا اللاتينية بعد العاصمة الكولومبية «بوجوتا»، ولهذا السبب خسر الانتخابات الرئاسية قبل عامين أمام المرشح الراديكالي فرناندو دي لا روا، ومع ذلك يقبل بتولى رئاسة البلاد دون المرور عبر صناديق الاقتراع! لم يكن أمامي بعد هذه الصورة القاتمة سوى أن أسأل صديقي الأرجنتيني عن توقعاته للمستقبل القريب. قال أرنستو: المستقبل بالنسبة للأرجنتين قاتم، ولسنا في حاجة إلى عراف ليخبرنا بما يأتي به المستقبل القريب، ربما يتولى الحكم رئيس سادس حتى قبل أن ننتهي من جلستنا هذه. سألته: والعسكر الذين اعتادوا على استغلال مثل هذه الأوضاع للقفز على السلطة؟ قال بنظرة غائمة: لا تحدثني عنهم، يحدث ما يحدث لا يهم، لكن كل ما أتمناه هو ألا أرى هؤلاء العسكر من جديد على كرسي الحكم في بلادي. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا